ومن أهم ما ذكره الله تعالى عنهم في ذلك تربصهم بالمؤمنين وانتظار انتصارهم على الكفار أو انتصار الكفار عليهم، فإذا انتصر المؤمنون طلبوا منهم أن يشركوهم في ثمرات ذلك النصر من غنائم ومنح ووظائف في دولتهم، لأنهم كانوا بزعمهم معهم، وإن كان لإخوانهم الكفار نصيب من النصر العاجل على المسلمين، ألحوا عليهم في إشراكهم معهم كذلك، محتجين عليهم بأنهم أيدوهم على المؤمنين، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنْ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} (143) [النساء]
وذكر تعالى عنهم بأنهم يحاولون خداع بدعواهم الإيمان بما يؤكدون لهم من الأيمان الكاذبة، من أجل أن يستروا كفرهم بها، كما قال تعالى:
{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) } [المنافقون]
وقد بسطت القول عن المنافقين وما تجب من معاشرة المسلمين لهم في مبحث آخر.
والمقصود هنا كشف منافقي عصرنا.
فقد صدع كثير من ذراري المسلمين بكفرهم بالإسلام، وكفرهم بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكونوا أحزابا تنوعت أسماؤها ولكن غالبها كانت تتفق في العداء للإسلام وحربه وحرب أهله، وقامت لبعضهم دول على أساس الإلحاد الصريح، وبخاصة الشيوعيين الملحدين.
هؤلاء وصفوا الإسلام بالرجعية والتأخر، ووصفوا أهله بالرجعيين والمتأخرين، وقتلوا دعاة الإسلام واعتقلوهم وسجنوهم وشردوهم وأهانوهم.
وقاموا في بعض بلدان المسلمين بانقلابات عسكرية نجحوا في بعضها وأخفقوا في بعضها الآخر، وأذاقوا شعوبهم ما أذاقوها من فقر وبذلوا جهدهم في إفساد تلك الشعوب في عقائدها وسلوكها، وسلبوها حريتها، وتبع بعضهم أسيادهم في المعسكر الشرقي الملحد، ويمم بعضهم وجهه شطر المعسكر الغربي الرأسمالي، تبعوهم في عقائدهم وسلوكهم المشين، ولم يتبعوهم في تنظيم بلدانهم وحسن إدارتها وتقدم صناعتها ونهضتها المادية النافعة لشعوبهم.
وجربوا كل مبدأ هدام ليطبقوه في بلدانهم، فباءوا بالخيبة والخسران، وتساقطت تلك المبادئ المنحرفة وتهدمت عروش الإلحاد والكفر الصريحين في بلدان المسلمين وكشف الله عوار أهلها وبدت للناس سوآتهم، فأقبل شباب الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها إلى الإسلام، وعادوا ينهلون من نبعه الصافي ويتمسكون بدينهم الحنيف، وأصبحوا يسخرون من مبادئ الكفر والإلحاد بعد كانوا مبهورين بها.
فلجأ أهل تلك المبادئ الكافرة الملحدة إلى ما سار عليه أسلافهم في العصور السابقة، كعبد الله بن أبي وأتباعه، وسلكوا نفس سبيلهم الذي سلكوه مع المسلمين يظهرون أنهم منهم ويحرصون على نيل ما ينفعهم من أحكام الإسلام التي لا ينالونها لو أعلنوا كفرهم صراحة، ويحاولون الهرب من تكاليفه المالية والجهادية وغيرها مما يرون أن فيه مشقة عليهم، ومع اليهود والنصارى.
فإذا خلوا مع المسلمين قالوا: {إنا معكم} وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: {إنا معكم إنما نحن مستهزئون} .