فهرس الكتاب

الصفحة 18707 من 27364

وبعد ، فهذه مقدمة بين يدي الرد على مقالة الكاتب الذي وصف نفسه بـ (( طرزان الأخرق ) )وتناول فيها مسألة من المسائل الكبيرة في الدين ، وخاض فيها وهو لا يحسن الخوض في مسائل أصغر منها وأوضح ، لكنه العجب بالنفس والتيه والكبر ، وقبل ذلك: (( الجهل المركب ) )الذي هو من أخص سمات هذا الكاتب .

وألخص تعقيبي على المقال المذكور في المسائل الآتية:

أولاً: مسألة تحديد النسل ، أو تنظيمه ، مسألة شرعية ، لا يصلح أن يخوض فيها إلا أهلها ، وهم العلماء وطلاب العلم ، أما الصحفيون والكتبة وغيرهم من ذوي التخصصات المختلفة فلا مقال لهم في ذلك ، سوى سؤال العلماء واستفتائهم ، عملا بقول الله تعالى (( فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) )وإذعاناً لقوله (( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً ) ).

ثانياً: إن الخوض في مثل هذه المسائل الشرعية ليس بالأمر اليسير الذي يكفي الخائض فيه حفظ بعض النصوص وقراءة صفحات لبعض الكتب ، ليناظر فيها ويجادل ويبدي ويعيد ، بل الأمر أكبر من ذلك ، فهناك ضوابط وأصول وقواعد لا بد للفقيه من معرفتها وفهمها واستحضارها ، ومعرفة مواضع الإجماع والخلاف ،إلى غير ذلك مما ينبغي للمفتي معرفته قبل أن يصدر فتواه .

ولا ريب أن مثل هذا الكاتب يجهل كل هذه الأمور أو جلها .

ثالثاً: استدل الكاتب بحديث (( كنا نعزل والقران ينزل ) )على مسألة الحد من تكثير النسل خشية الفقر ، وهو استدلال في غير موضعه ، فإن الصحابة لم يذكروا أنهم فعلوا ذلك خشية الفقر أو القحط أو غير ذلك مما يعنيه الكاتب ، بل لم يذكروا أيضاً أنهم فعلوه تنظيماً للنسل كما زعم الكاتب بقوله (( معناه أنهم

ينظمون النسل بشكل أو بآخر )) . فلعلهم فعلو ذلك لمقاصد أخرى مباحة .

قال ابن قدامة في المغني [ 10/228 ] (( والعزل مكروه .. لأن فيه تقليل النسل وقطع اللذة عن الموطوءة ، وقد حث صلى الله عليه وسلم على تعاطي أسباب الولد .. إلا أن يكون لحاجة ، مثل أن يكون في دار الحرب فتدعوه حاجته إلى الوطء ، فيطأ ويعزل .. أو تكون زوجته أمة ، فيخشى الرق على ولده .. ) )ا هـ باختصار .

ثم لو فرض أنهم فعلوه تنظيماً للنسل ، كما زعم الأستاذ مشعل ، فإن هذا لا يعني إباحته خشية الإملاق أو (( طوفان القحط ) )، فإن النيات والمقاصد معتبرة في الأقوال والأفعال ، كما في الحديث المشهور (( إنما الأعمال بالنيات ) ). فإباحة العزل لغرض مباح وقصد حسن ، لا يقتضي إباحته بكل قصد .

ومن دعا إلى تقليل النسل خشية الفقر فإن فيه شبهاً بفعل الجاهلية الأولى الذين كانوا يقتلون الأولاد من فقر أو خشية الفقر . قال الله تعالى (( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ) ).

قال ابن كثير في تفسيره (( كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ، بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته ، فنهى الله عن ذلك ، فقال (( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ) )أي: خوف أن تفتقروا في ثاني الحال )) ا هـ .

رابعاً: قال الكاتب (( لماذا لا نكون شجعاناً .. ونجمع علماء الدين وعلماء الاقتصاد والاجتماع .. ونغلق عليهم الباب بمفتاح الصرامة ، ونقول لهم: لا تخرجوا من هذا الاجتماع إلا وقد تحملتم المسئولية وأعطيتم بصيص أمل لهذا الشعب المندفع كأي قاطرة بدون فرامل ) ).

وأقول: هذه العبارة السمجة لا تليق بأهل العلم ، بأن يقال فيهم (( نجمع .. ونغلق عليهم الباب .. ونقول: لا يخرجوا من هذا الاجتماع …. ) )الخ .

والكاتب قد اعتاد على هذا الأسلوب الساخر ، وهو في الواقع إنما يسخر من نفسه ، فمكانة العلماء ، ورثة الأنبياء ، تحتم على الناس توقيرهم واختيار أحسن الكلام وأجمله عند مخاطبتهم ، ولكن هذا عند العقلاء ، وقد صح عن صلى الله عليه وسلم أنه قال (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) ).

وفي قصة موسى عليه السلام مع الخضر عبرة لمن يعتبر .

ثم إن من العجب أن يطلب الكاتب من العلماء أن يجتمعوا ليقرروا ما يمليه هو عليهم ، وهذا من فرط جهله وغروره وتعاظمه في نفسه، وكان الصواب أن يلتمس من أهل العلم أن يصدروا فتوى في المسألة مفصلة ، ليتبعها عامة الناس ويعملوا بمقتضاها .

وليعلم الكاتب أن مثل هذه المسائل الشرعية لا يحق لغير المختصين من أهل الفقه والفتوى والعلم الشرعي أن يقحموا أنفسهم في الكلام فيها ، لا من الأدباء ولا من الاقتصاديين ولا من غيرهم ، وإنما قد يحتاج العالم المفتي إلى سؤال ذوي الاختصاصات الأخرى عن بعض ما لديهم مما يستعين به على إيضاح الأمر قبل فتواه .

أما مشاركة هؤلاء في الحكم والإفتاء وجعل آرائهم مقارنة أو مساوية لأقوال العلماء والفقهاء ، فأمر مرفوض .

خامساً: قال الكاتب (( أليست الضرورات تبيح المحظورات أيها الزهاد في الدنيا ؟ وهل هناك ضرورة أكثر من كبح هذا الغول المتربص بنا ) )؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت