فهرس الكتاب

الصفحة 18708 من 27364

وأقول: هذا الكاتب يهرف بما لا يعرف ، والقاعدة الفقهية التي ذكرها لا يحسن هو ولا من على شاكلته فهمها ولا تطبيقها ، ويحتاج الخائض فيها إلى تعلم مسائل كثيرة أخرى معها ، كما يحتاج إلى معرفة معنى الضرورة في المصطلح الشرعي ، والفرق بينها وبين ما يظنه كثير من الناس من الضرورات ، وهو من الحاجيات أو التحسينيات ، أو غير ذلك .

فليس كل ما ظنه الناس ضرورة يكون كذلك . هذه مسالة .

والمسألة الأخرى: أن هذه القاعدة لا تعني استباحة كل محظور لكل ضرورة ، وقد شرط أهل العلم أن لا تكون الضرورة أنقص من المحظور .

وقد ينشأ من ارتكاب ذلك المحظور ، محظورات أخرى أخطر مما قد يظن أنه ضرورة يستباح من أجلها .

ثم يقال بعد ذلك إن اعتبار هذا الأمر ضرورة ، واستباحة المحظور المعين من أجله ، هو من تحقيق المناط ، وهو أمر لا يخص الأستاذ بحال من الأحوال ، بل هو موكول للعلماء .

وأما عبارته التهكمية (( أيها الزهاد في الدنيا ) )فأتركها للأستاذ يصرف معناها ويوجهها ، هذا إن كان لها معنىً عنده .

سادساً: قال الكاتب (( صحيح أن كل مخلوق يولد ورزقه معه ، وصحيح أيضاً أن لا أحد سوف يموت إن شاء الله من الجوع ، ولكن التجارب تفقأ أعيننا بمناظر لبشر من الأحياء وهم أشد بؤساً من الأموات ) ).

وأقول: عاد الأستاذ إلى المغالطة ، فهاهنا ثلاث جمل ، صدر الأوليين منها بقوله (( الصحيح … ) )، وسكت عن الثالثة ، وكأنه قد عرف أنها جملة مرفوضة مطرحة ، وهي كذلك ، إذ لا قيمة واعتبار لما يناقض (( الصحيح ) )المجمع عليه ، والذي صرح الكاتب بصحته ، فلنطرح الجملة الثالثة التي بدأها بقوله (( ولكن …. ) )الخ خاصة وفيها ما يفقأ عينه ، ونحن نشفق عليه من ذلك ، ونشفق على الناس كذلك ، إذ حاله ومقاله كما رأيت ، قبل أن تفقأ عينه ، فكيف يكون بعده ؟ .

قال تعالى (( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها … ) )الآية .

سابعاً: وأغرب من ذلك استدلال الكاتب بسورة التكاثر للحد من تكثير النسل ، وهذا من جهله بمعاني القران ، ولعله لم يستحضر من محفوظاته من كتاب الله ما يدل على معنى الكثرة والتكاثر سوى هذه السورة ، التي لا تدل على حال من الأحوال على ما يرمي إليه .

ولو أن الأستاذ أمعن قليلاً وفكر وتدبر في آيات الكتاب العزيز لوجد ما يدل على نقيض ما ذهب إليه . فالآيات قد صرحت بأن كثرة العدد من النعم التي تستوجب الشكر والحمد ، لا من النقم والمصائب التي تستلزم الصبر والاحتساب .

قال تعالى (( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً ) )

وقال سبحانه على لسان نبيه شعيب (( واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم .. ) ).

قال ابن كثير (( أي: كنتم مستضعفين لقلتكم ، فصرتم أعزة لكثرة عددكم ، فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك ) )ا هـ .

فجعل الكثرة نعمة وجعل العزة في الكثرة .

وقد قال رسول ا صلى الله عليه وسلم (( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ) )رواه أبو داود والنسائي .

فما يدعو إليه الأستاذ وأضرابه من تقليل النسل، تحديداً أو تنظيماً يعارض أمر رسول ا صلى الله عليه وسلم ، ويخالف ما جاء في كتاب الله.

وقد دعا رسول ا صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه بأن يكثر الله ماله وولده .

ففي البخاري أن أم أنس بن مالك رضي الله عنها سألت رسول ا صلى الله عليه وسلم أن يدعو لأنس . فقال (( اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته ) ).

ثم إن مسألة الفقر والغنى والقحط والغيث والمرض والصحة ، وغيرها من أقدار الله في الناس ليست من الأمور الخاصة بهذا الزمان ، ومن قلب النظر في كتب التاريخ رأى العجائب ، ومع ذلك ، فإننا لم نقرأ أن عالما من علماء الإسلام أفتى بتحديد النسل بل حتى في زمن الطاعون ، لم نسمع أن أحداً أفتى بقطع النسل من أجله .

فهذه الدعوة منشؤها ومبدؤها جاهلي ، في القديم والحديث ، فلا يليق بالأستاذ أن يبثها في المسلمين .

ثامناً: ختم الأستاذ مقاله بدعاء قال فيه (( اللهم تب علي ، وأنا عبدك الطائع الذي لا يدري كيف يخدم إخوانه ) ).

وأقول: أما الدعاء بالتوبة فكلنا مفتقر إليه ، غير أن من شروط قبولها الندم على فعل المعصية وتركها والعزم على أن لا يعود إليها ، فهل يفعل ذلك الأستاذ ، فيخلص مقالاته وينقيها من كل ما يشينها من مخالفات شرعية ، ويندم على ما كتب من قبل ، وقد لا يكفيه ذلك في قبول توبته حتى يعلن براءته مما خالف فيه شرع الله .

وقد قال سبحانه وتعالى (( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ) )ولا يغتر الأستاذ بما يزينه له المخالفون ، فإنهم ، والله ، لن يغنوا عنه من الله شيئاً .

وأذكره بقول صلى الله عليه وسلم لمعاذ (( وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ) ).

وقوله (( .. وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ، وما يظن أنها تبلغ ما بلغت ، فيكتب بها عليه سخطه إلى يوم القيامة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت