فبقاء هذه الهيمنة مرهون بأمرين: حرص الغرب على إبقائها، استسلام الدول لهذه الإرادة.
لا تتم الهيمنة إلا بهذين مجتمعين، فهي عملية تكاملية، ما يعني عدم فاعليتها إذا ذهب أحد العاملين.
فلو أن الغرب لحقته شفقة، واعتراه عدل، وتحرج من الإثم في منعه الدول من الارتقاء، فأراد لها العون، فقدم كل أنواع الدعم، فإن تقدمها أمر متوقع، واستسلامها لن يعوق؛ لغلبة حب التطور على النفوس.
ولو أن هذه الدول فكت قيودها، وتمنعت، وسعت في التطور، وخططت لذلك جادة، واجتمع أمرها، ولم يختلف، فتحررها أمر لازم، ولن تقف خطط الغرب عائقا أمامها.
فمن المهم فهم ارتباط هذين العاملين في التخطيط للتخلص من الهيمنة:
-إذ تعليق الانحطاط والتخلف بالغرب وحده، لن يفيد في قيام وتطور الدول الضعيفة؛ لأن نهضة الأمة سبب رئيس في: تحررها، وتقدمها، وتطورها.
-وتعليق الانحطاط بالأمة وحدها، وتبرئة الغرب لن يفيد في الانطلاقة الصحيحة المتوازنة؛ إذ الغفلة عن هذا العامل ينبؤ عن عدم معرفة بالواقع الجاري في العالم، وأسوأ من ذلك: أنه يدل على الرضى بكل ما يفعله الغرب في العالم، وربما تنبي أهدافه ومخططاته..!!.
وكل هذه الحالات مانعة من الانعتاق والتقدم، وللخروج من الحالتين السلبيتين، لا بد من الالتفات إلى العامل الغربي في تأخر الدول، وبها وبالالتفاتة إلى دور الشعوب في رفض القبول الاستسلام: يمكن الانعتاق والتخلص من التخلف، والتبعية، والضعف.. والهيمنة، والارتقاء إلى صفوف الدول المتقدمة.
كيف نقاوم ؟.
لدينا وسيلتان، بهما تمكن المقاومة:
الأولى: الالتفات إلى القدرات الداخلية للأمة، وتوفر الكفاءات: البشرية، والمالية، والفكرية. للنهوض بالأمة والاستقلال والاكتفاء الذاتي قدر الممكن.
الأمة لديها طاقات بشرية هائلة، فهذا الغرب نفسه قد انتفع بها للغاية. في مجالات: الطب، والفلك، والصناعات.. إلخ، لديه ثلة من العلماء من بلاد عربية وإسلامية، أسهموا في التقدم والتطور، ولا يزالوان.. إنهم يجدون مكانا وتقديرا لإبداعهم هنالك، ولا يجدونه في بلادهم.. وتلك هي الداهية.؟!!
على الأمة بكل فئاتها: الحكومات، والعلماء، والمفكرين، والتجار، وأهل الصناعات، وأهل التربية والتعليم، وأهل الحرف، والزراع، والعموم: واجب أدبي، وأخلاقي، ووطني، وديني: أن يقدموا خدماتهم بصدق وإخلاص للنهوض بالأمة.
-لا يجوز أن يكون البقاء في السلطة هو الهم الأكبر للحاكم، ولو كان لا يقدم شيئا يذكر.
-ولا يكفي أن يكون غاية العالم نقل العلم وتلقينه، دون السعي إلى ترجمته واقعا في الحياة.
-ومن المؤسف أن يكون هم رجال الأعمال والمال: تنمية الأرصدة، وزيادة الأرباح، عاما بعد عام. واستعمال كل الوسائل الممكنة لذلك، المباحة وغير المباحة. فأين مشروعاتهم للنهوض بالأمة، وهم الذين يمتلكون الشق الثاني من الحل للنهوض: المال. والأول هو: الطاقات.
-ولا يصح أن يكون هدف التعليم إعادة إنتاج أجيال مكررة، تعيد الدورة العلمية نفسها، فتكون كالرحى يدور في فراغ، لا يطحن حبا، ولا يسقي زرعا.
المهمة كبرى، وثقيلة، ولا تحتملها جهة دون أخرى، كل له وعليه واجب على قدره، فواجب الحاكم أكبر من غيره، وهذا معروف. وواجب العالم كبير وحساس، وواجب التاجر أساس ومؤثر.. والكل راع، وهو مسؤول عن رعيته.. فمتى اليقظة، والاستفاقة من الغفلة ؟.
الثانية: إعمال ميزان الشريعة في معاملة الغرب، فمن هذه الموازين:
1-أن الحق ضالة المؤمن: أنى وجدها، فهو أولى بها.
فحيث وجد ما هو مفيد وحق، فمن الضروري الأخذ به0 وهذا الأمر صار من المسلمات عند جماهير المسلمين؛ الخواص، والعوام.
2-أن الغرب المخالف للمسلمين في الدين، منه المحارب، ومنه المسالم؛ دولا، وشعوبا.
فالمحارب يتبرء منه ويعادى، والمسالم يبر به ويقسط إليه؛ بمعنى أن تكون العلاقة معه أحسن وأفضل بالنظر إلى العلاقة مع المحارب، لا إلى المسلم.
إذن لا يصح التعامل مع الغرب على: أنه وحدة واحدة غير مجزئة، ولا متنوعة.
3-أن المصلحة من العلل الشرعية المرعية.
فقد تضيق المعاملة مع المحارب من طريق العقيدة، لكنها تتسع من جهة الشريعة، من طريق المصلحة الشرعية، بشرط عمومها للأمة، فتجوز المهادنة، والمعاهدة معه، كما فعل صلى الله عليه وسلم مع قريش، واليهود، والروم.
4-دعوة الغرب إلى الإسلام.
وتبليغهم وتعريفهم به، فالغرب كله - خصوصا المسالم، وهو الأكثر - محل الدعوة، كسائر البشر، بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، بكافة الوسائل: المرئية، والمقروءة، والمسموعة.
فالتوازن في التعامل مع الغرب مطلوب ومهم، فلا يصح إغفال ما قدمه من خدمة للإنسانية والعالم، كذلك لا يصح إغفال ما تسبب فيه وتورط من الإضرار بالإنسانية، والبيئة، والحياة الفطرية.
والقبول به جملة وتفصيلا، والترحيب به، والترويج لمثله، وقيمه ونشاطاته كلها، يمكن أن يكون أكثر تطرفا من الرفض الكلي، وأشد تنطعا من الإعراض عن كل ما أنتج وأبدع. الذي لا يكاد يوجد اليوم.. فأين نجد اليوم الذي يرفض ولا يقبل بكل ما أنتجه الغرب، مما هو مفيد للبشرية ؟.