إن العقبة الكئود أمام الكفار والمنافقين لتغيير عقلية المسلم، ونقله من الإسلام إلى الإلحاد، تتمثل في هذا القرآن العظيم، الذي يوقن المسلم أنه من عند الله تعالى، ولا يتطرق الشك إليه بحال من الأحوال، وكل أخباره أخبار صدق وحق، وإذا وصف القرآن أقواماً بوصف أيقن المؤمن أن ذلك الوصف فيهم لا محالة؛ لثقته بالقرآن الكريم، ويقينه بعلم الله تعالى الذي وسع كل شيء، وقد حوت آيات هذا القرآن العظيم تفصيل العلاقة مع الآخرين من يهود ونصارى وملاحدة ومشركين ومنافقين، وكشفت حقائقهم، وعرضت لتاريخهم، وبينت مواقفهم من الرسل وأتباع الرسل عليهم السلام، والمسلم يتعبد إلى الله تعالى بقراءة تلك التفاصيل في الكتاب العزيز، ويستغرق جزءاً كثيراً من يومه وليلته يستمع إليها من إذاعته وآلة تسجيله وإمام مسجده، وهي ترسخ هذه الحقائق في عقله عن ممارسات وأخلاقيات هؤلاء الكفار والمنافقين، وتصرفاتهم المشينة مع المؤمنين، ومعاداتهم الصريحة لهم، وتحذرهم من اتخاذهم أولياء من دون المؤمنين، ولا حيلة للأعداء إلا بصرف الناس عنه، ولم ينصرفوا عنه كلية رغم تكثيف وسائل الشهوات وبث الشبهات فيهم، فعمدوا قبل عام إلى فرقانهم المصنوع من التوراة والإنجيل وبعض آيات القرآن بعد تحريفها، مع حذف كل الآيات الفاضحة للكفار والمنافقين، ونشروه في أوساط المسلمين ليكون بديلا عن القرآن، فما حفل المسلمون بقرآنهم، ولا التفتوا إليه، فجاءت هذه المحاولة ضمن محاولات كثيرة لقطع الصلة بين المسلم وبين كلام الله تعالى؛ وذلك بتغيير المسميات التي جاءت في القرآن والسنة أعلاما وأوصافا على المخالفين، وكيفية التعامل مع الكفر والكافرين، والنفاق والمنافقين، والبدعة والمبتدعين ؛ ليحل محلها: الموقف من الآخر، والحوار مع الآخر، والتعايش مع الآخر، وفهم الآخر ونحو ذلك، مع إبراز نصوص التسامح والعفو والمحاورة معه، وإلغاء نصوص مقارعته وجهاده وفضحه والإغلاظ عليه، وحجة من يدعو إلى هذا المذهب الجديد: وجود المشتركات الإنسانية، مع تهوينهم من شأن المفارقات الدينية بيننا وبين الآخرين، والنتيجة النهائية لهذا الإثم المبين: إخضاع شريعة الإسلام لحكم الطاغوت المتسلط على المسلمين.
إن هذا الآخر الذي أريد له أن يكون أخاً للمسلم في الإنسانية قد وصف في القرآن بأنه عدو مبين للمسلمين، (( إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً ) ) (النساء:101) .
وفي المنافقين (( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ) ) (المنافقون:4) .
فإن كان المقصود اشتراكه مع المسلم في العيش على الأرض فكذلك الحيوان يعيش مع الإنسان على الأرض، فهل هو أخوه ؟ فإن كان المشتَرَك بين الإنسان والإنسان تكريمه بالعقل، فغير المؤمن قد عطل عقله وألغاه، وقد وصف الله تعالى من استنكف عن عبادته، ولم يخضع لشريعته بأنهم قوم لا يعلمون، ولا يعقلون، ولا يفقهون، فقال عن الكفار في سورة البقرة: (( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ) ) (البقرة:171 ) .
وفي الأنفال: (( وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ) ) (الأنفال:65) .
وقال عنهم وعن أهل الكتاب في المائدة: (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ) ) (المائدة:58) .
وقال تعالى عن اليهود في الحشر: (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ) ) (الحشر:13) .
وفي الآية الأخرى: (( لاَ يَعْقِلُونَ ) ) (البقرة:170 ) .
ورمى المنافقين بالفساد والسفه فقال في سورة البقرة: (( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ) ) (البقرة:12) .
وفي الآية الأخرى: (( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ ) ) (البقرة:13 ) .
وفي براءة: (( صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون ) ) (التوبة:127) .
وفي أخرى: (( وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) ) (التوبة:93 ) .
وفي سورتهم: (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ) ) (المنافقون:3 ) .
وفي الآية الأخرى: (( وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ) ) (المنافقون:7) .
بل جاء في القرآن ما هو أعظم من ذلك، وأبلغ في شأن من استكبر عن دين الإسلام؛ إذ قرنوا بالحيوان ثم فضل القرآن العجماوات من الحيوان عليهم فقال الله سبحانه: (( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) ) (الأعراف: 179) .
وفي الفرقان: (( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) ) (الفرقان:44 ) .