فهرس الكتاب

الصفحة 18798 من 27364

إن أوائل الجدل ضد الإسلام بدأت في المشرق حيث احتك المسلمون مع نصارى المشرق منذ وقت مبكر حيث لعب العامل اللغوي دوراً هاماً عند مجادلي التنصير المشرقيين وذلك بالاطلاع بيسر وسرعة على القرآن الكريم في لغته العربية ، والوقوف على ما احتواه من عقائد وشرائع وأخلاق وقصص بخلاف مجادلي الغرب اللاتين الذين احتاجوا إلى عدة قرون كي يتمكنوا من قراءة القرآن في إحدى ترجماته . لقد دشن حملات الإفك والافتراء النصرانية ضد الإسلام والقرآن والرسولل عليه الصلاة والسلام ابتداءاً وقبيل الحروب الصليبية بقرون القديس يوحنا الدمشقي (توفي عام 750م) والذي ألف كتاباً جامعاً في اللاهوت أسماه (ينبوع الحكمة) (5) . بالإضافة لذلك فيوحنا الدمشقي يعتبرأحد أكبر آباء الكنيسة الأرثوذكسية وبسبب قيمته الدينية الكبرى نال لقبين ذوي شأن ، فلقِّب بـ (القديس يوحنا ) و ( يوحنا ينبوع الذهب) . وبحكم كونه في خط الصراع الأول ضد الإسلام فإنه سارع بالعكوف على القرآن الكريم تفلية ونبشاً ، مسخِّراً إتقانه العربية ، وموظِّفاً إلمامه بالبيئة الثقافية الإسلامية التي يعيش في رحابها ويُعايش أعلى مستوياتها العلمية والسلطوية حيث كان من كبار موظفي بلاط الخلافة الأموية . ويمكن القول بأنه لا خلاف على ريادة يوحنا الدمشقي للجدل التنصيري ضد الإسلام ، كذلك يمكننا القول بأن جدليات يوحنا ضد القرآن هي الأهم في تاريخ الجدل التنصيري ضد القرآن حيث وضع يوحنا الدمشقي آراءه في قوالب جدلية مكثفة أصبحت ركيزة الجدل التنصيري في كل أدواره ومراحله التالية ، فقد ردد جميع المجادلين بعده بعض أو كلّ قوالب الدمشقي هذه . وكما سبق ، قد وضع يوحنا الدمشقي آراءه ضد الإسلام والقرآن والرسولل في كتابه (ينبوع الحكمة) حيث خصص الفصل (100/101) في قسم البدع للجدل ضد الإسلام . وتتلخص رؤية يوحنا الدمشقي للإسلام ونبيه وكتابه فيما يلى:

أ ـ التشكيك في كون الإسلام امتداداً لحنيفية إبراهيم ، لذلك يصف المسلمين على نحو لا يخلو من الخبث ، بالسرازانيين ، ويعد أول كاتب مسيحى يستخدم هذا التشويه لأغراض الجدل العنيف ، كذلك يصف المسلمين بـ (المفسدين ) وهى التسمية التى ستكثر في الجدليات التالية ليوحنا .

ب ـ يعالج الإسلام على أنه هرطقة مسيحية .

جـ ـ يقدم الإسلام على أنه مُؤْذن بالمسيح الدجّال .

د ـ يجعل الرسو صلى الله عليه وسلم أحد أتباع آريوس ، كما يجعله على عقيدة المذهب النسطوري ، وذلك بسبب تأكيده على أن المسيح مخلوق وإنسان مجرد ، وذلك ما قال به آريوس ونسطور .

هـ ـ يحصر ما جاء به صلى الله عليه وسلم في أمرين ، أولهما: معرفته الضحلة بما قلَّتْ قيمته من أسفار العهدين القديم والجديد اللذين وقع عليهما صلى الله عليه وسلم مصادفة ، والثاني: ما أخذه صلى الله عليه وسلم عن الراهب الأريوسي ( بحيرا ) .

و ـ القرآن نتاج لأحلام اليقظة ؛ لأن الرسو صلى الله عليه وسلم تلقاه وهو نائم (6) .

ثم يظهر تيودورأبو قرة ويكرر أقوال يوحنا الدمشقي من أن الإسلام هرطقة نسطورية (7) . وتيودور أبو قرة هو أسقف حران الذي كان يجادل المسلمين أمام الخليفة المأمون بصورة مباشرة (8) .

ولا بد من القول أن أسطورة تأثر الرسو صلى الله عليه وسلم براهب مسيحي تظل مسيطرة على الجدل المسيحي المعادي للإسلام وتلقى التأييد والاحتضان على هذا الجدل سواء كان بيزنطي أو لاتيني كما سنرى لاحقاً . فمثلاًُ تختلف تسميات هذا الراهب الأريوسي الذي يزعم يوحنا الدمشقي بأن الرسول أخذ عنه ، فيسمونه مثلاً: سرجيوس أو سركيس ، ونسطوريوس ، وجيورجيوس ، ونيقولاوس ، ويوحنا . وهذا الراهب في زعمهم لا بد أن يكون نسطورياً ، كما أنه من أصحاب الطبيعة الواحدة ، كما يظهر أيضاً مرتداً ومؤلفاً للقرآن .... الخ (9) . وليس أكثر دلالة على امتداد هذا الزعم على تاريخ الجدل النصراني ضد الإسلام مما قاله فوك هارنَك الذي ذكر في ثلاثينات القرن العشرين نحو الأربعمئة رد من جانب المسيحيين على الإسلام منذ يوحنا الدمشقي في القرن السابع/ الثامن للميلاد وحتى القس بفاندر في أواسط القرن التاسع عشر والردود المذكورة كثيراً ما يكرر بعضُها بعضاً كالأسطورة القائلة أن الإسلام هرطقة مسيحية تتكرر منذ يوحنا وحتى القس زويمر الذي كان يجادل الإسلام والمسلمين في بيروت اثناء الحرب الأولى وبعدها (10) . هذا وتستمر الكتابات اللادينية بتمرير ذات الأسطورة التنصيرية من كون الإسلام هرطقة مسيحية كما سنرى لاحقاً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت