فهرس الكتاب
وقد بدأ من بعد يوحنا الدمشقي الجدل البيزنطي المليئ بالافتراءات والتلفيق والذي انتقل إلى أوروبا اللاتينية لاحقاً . ومن أوائل هؤلاء الجدليين البيزنطيين المؤرخ البيزنطي ثيوفانوس المعترف (760 - 800م) الذي ألف بدوره كتاباً عن حياة صلى الله عليه وسلم عد مرجعاً معتمداً وموثقاً يستمد منه اللاحقون مادتهم عن الإسلام . جاء فيه عن الرسول أنه"ولما كان محمد المذكور فقيراً ويتيماً فإنه قرر أن يربط نفسه بامرأة ثرية من ذوي قرباه ، هي خديجة ، بأن جعل من نفسه وكيلاً لها لقاء أجر يتناوله ، يتولى شئون إبلها ويقوم بأشغالها في مصر وفلسطين . ولم يمض زمن طويل حتى فاز برضا السيدة ، وكانت أيما ، بفضل طرائقة الصريحة فاتخذها له زوجاً ، وبذلك حصل على إبلها وسائر ممتلكاتها . وقد اختلط في فلسطين باليهود والمسيحيين ، وبواسطتهم حصل على بعض الكتب المنزلة وأصيب كذلك بمرض عصبي" (11) . ثم ينتقل للحديث عن الوحي بأنه مرض أصاب صلى الله عليه وسلم ، فيقول"فلما علمت زوجته بأمره ، حز في نفسها أنها وهي العريقة الأصل قد أصبحت اليوم مرتبطة بإنسان لا يقتصر أمره على أنه فقير ، بل هو أيضاً مريض ، فراح يهدئها بقوله: إني تلم بي رؤية ملك من الملائكة ، اسمه جبريل .." (12) . كما قام ثيوفانوس بصياغة فكرة سلبية عن الإسلام وصورة ذهنية وحشية عن المسلمين . فقد قال عن صلى الله عليه وسلم"وكان يعلم أنصاره أن من قتل عدوا أو قتله عدوه فهو داخل الجنة (13) . إن الأسطورة التي وضعها ثيوفانوس حول الرسو صلى الله عليه وسلم إنما تعد المصدر لتلك الأساطير التي ظهرت في أوروبا بعد ذلك ، فقد خلط ثيوفانوس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بعناصر منتزعة من سير الرهبان الذين كانت الكنيسة تعدهم مبتدعة . بل إن من المضحك أن الأساطير المختلقة في أوروبا عن الرسو صلى الله عليه وسلم فيما بعد كانت تزعم أن النبي محمد من أسرة كولونا التي كانت تعادي البابا في روما ، أو أن النبي ولد في بولونيا بإيطاليا ، وأن الإسلام إنما نشأ عن تنازع الكاردينالات بعضهم وبعض وطمعهم في أن يصيروا باباوات (14) . كما قام البيزنطيون بحملة ضد القرآن والهجوم عليه بشكل مفصل في أعمال نيكتياس البيزنطي في مقدمة كتابه (نقد الأكاذيب الموجودة في كتاب العرب المحمديين) ، أما أكبر هجوم جدلي ضد القرآن فهو ما قام به إمبراطور بيزنطة جان كنتا كوزين في كتابيه (ضد تمجيد الملة المحمدية) ، (ضد الصلوات والتراتيل المحمدية) وكان باللغة اليونانية (15) . إن أعمال البيزنطيين وتحريفاتهم ضد القرآن والإسلام ونبيه كانت هي المصادر الأساسية للاوروبيين عن الإسلام حتى مطلع القرن الثالث عشر (16) ، وفيما يتصل بحياة النبي عليه الصلاة والسلام فإن المؤلفين الغربيين ورثوا ما يلي من معلومات مضللة من البيزنطيين: محمد رجل مسيحي الأصل ، تزوج أيماً ثرية ، وكان مصاباً بالصرع ، وتحدد هدفه بسحق السيحية عن طريق اشتراع حرية جنسية واسعة (17) ."
(5) دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة ، د. عرفان عبدالحميد فتاح ، ص 111
(6) الغارة على القرآن الكريم ، د. عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص 24 - 26
(7) الغارة على القرآن الكريم ، د. عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص 26
(8) أدب الجدل والدفاع في العربية بين المسلمين والمسيحيين واليهود ، موريتس شتينشنيدر ترجمة صلاح إدريس ، ص 112 (9) مسيحية ضد الإسلام، لودفيغ هاغمن ، ص 46 - 47
(10) من مقال: حديث المسيحية والإسلام... مواريث المواجهة وفرص التفاهم والمشاركة ، عن دار الحياة 2004/07/3 ، http://www.passia.o r g/meetings/ r suni...03-07-2004.htm
(11) الاستشراق رسالة استعمار ، د . محمد الفيومي ، ص 363
(12) الاستشراق رسالة استعمار ، د . محمد الفيومي ، ص 363
(13) الاستشراق رسالة استعمار ، د . محمد الفيومي ، ص 364
(14) موسوعة المستشرقين ، د. عبدالرحمن بدوي ، ص 243 - 244
(15) الغارة على القرآن الكريم ، د. عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص 31
(16) من مقدمة كتاب صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 17
(17) صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 67