فهرس الكتاب
وظهر في القرن العاشر الميلادي عبد المسيح بن إسحاق الكندي الذي كان عاملاً في بلاط الخليفة المأمون والذي كتب ردَّاً على رسالة عبدالله الهاشمي التي يدعوه فيها إلى الإسلام (18) . وقد حوت رسالة الكندي الكثير من القدح في صلى الله عليه وسلم والقرآن . ولهذا تمت ترجمة رسالة عبدالمسيح الكندي من العربية وضمها إلى مجموعة دير كلوني الشهيرة التي تشمل بضعة مؤلفات في الجدل مع المسلمين بأمر من بطرس المحترم في القرن الثاني عشر الميلادي حتى يتعلم منها الرهبان أساليب الرد على المسلمين والطعن في الإسلام . وقد تلقف كتاب القرون الوسطى هذه الرسالة بلهفة وأدرجوها في مؤلفاتهم ضد الإسلام وصارت ما تحويه من تشويه مفاهيم ثابتة في الفكر الأوروبي . وقد جرى نشر هذه الرسالة مرتين في لندن عامي 1880م و 1885م لاستعمال المنصِّرين (19) .
وعبدالمسيح الكندي يخترع قصة أخرى عن مصدر الإسلام ، ففي رده على رسالة عبدالله الهاشمي التي يدعوه فيها للإسلام يقول الكندي عن القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم ومصدر القرآن وتحريفه:"وذلك أنه كان رجل من رهبان النصارى يعرف بسرجيوس أحدث حدثاً أنكره عليه أصحابه فحرموه وأخرجوه وقطعوه عن الدخول على الكنيسة وامتنعوا من كلامه ومخاطبته على ما جرت العادة منهم في مثل هذا الضرب . فندم على ما كان منه فأراد أن يفعل فعلاً يكون له به تمحيص ذنبه وحجة عند أصحابه النصارى . فصار على بلد تهامة حتى أفضى على برية مكة فنظر البلد غالباً عليه صنفان من الديانة . وكان الأكثر دين اليهودية والآخر عبادة الأصنام فلم يزل يتلطف ويحتال بصاحبك (يقصد الرسو صلى الله عليه وسلم ) حتى استماله وتُسمي بنسطوريوس وذلك أنه أراد بتغيير اسمه إثبات رأي نسطوريوس الذي كان يعتقده ويتدين به فلم يزل يخلو به ويكثر مجالسته ومحادثته ويلقي إليه الشيء بعد الشيء على أن أزاله من عبادة الأصنام ثم سيره داعية وتلميذا له يدعو إلى دين نسطوريوس . فلما أحست اليهود بذلك ناصبته العداوة ، فطالبته بالسبب القديم الذي بينهم وبين النصارى . فلم يزل يترقى به الأمر إلى أن بلغ به ما بلغ . فهذا سبب ما في كتابه من ذكر المسيح والنصرانية والذب عنها ، وتزكية أهلها والشهادة لهم أنهم أقرب مودة ، وأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون . فلما قوي الأمر بالنصرانية وكاد يتم ، توفي نسطوريوس هذا فوثب عبدالله بن سلام وكعب المعروف بالأحبار اليهوديان بخبثهما ومكرهما فأظهرا له أنهما قد تابعاه على رأيه وقالا بقوله . فلم يزالا على ذلك المكر والدهاء والتدبير عليه ، بكتنان ما في نفسيهما إلى أن وجدا الفرصة بعد موته . فلما توفي وارتد القوم وأفضى الأمر إلى أبي بكر جلس علي بن أبي طالب عن تسليم الأمر لأبي بكر ، علما أنهما قد ظفرا يطلبان ويريدان في نفسيهما . فاندسا إلى علي بن أبي طالب فقالا له: لم لا تدع النبوة ؟ ونحن نوقفك على مثل ما كان يؤدب به صاحبك نسطوريوس النصراني ، فلست بأخص منه . وكان علي بن أبي طالب قد أحس بما كان نسطوريوس الراهب عليه لأن علياً كان صغيراً وقتما صحبه . إلا أنه أوعز إليه ألا يعلم أحداً بموضعه ، ولا يطلع عليه أحداً من أهله . فقبل علي منهما ذلك لصغر سنه وقلة تجربته . فمال علي إلى قولهما بسلامة قلبه ، فلم يتمم الله لهما ذلك ولم يبلغهما إياه . لأنه اتصل بأبي بكر بعض خبرهما فبعث إلى علي فلما صار إليه ، ذكره الحرمة ، ونظر علي إلى أمر أبي بكر وإلى قوته فرجع عما كان عليه ووقع بقلبه . وقد كانا عمدا إلى ما في يد علي بن أبي طالب من الكتاب الذي دفعه إليه صاحبه على معنى الإنجيل فأدخلا فيه أخبار التوراة وشيئاً من أحكامها وأخبار بلدها ، وشنعا فيه ، وزادا ونقصا ، ودسا تلك الشناعات كقولهما ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ) ومثل تلك الأعاجيب وذلك التناقض الذي لا يخيل على الناظر فيه أن المتكلمين به قوم حتى مختلفون ، كل منهم ينقض صاحبه ، مثل سورة النحل والعنكبوت ومثل هذه وشبهه . ألا ترى أن علياً حيث يئس من الأمر أن يصير إليه صار إلى أبي بكر بعد أربعين يوماً - وقال قوم بعد ستة شهور - فبايعه ووضع يده في يده . فقال له أبو بكر: ما حبسك عنا وعن مبايعتنا يا أبا الحسن ؟ فقال: كنت مشغولاً بجمع كتاب الله لأن النبي كان أوصاني بذلك . فأنظر أيها العاقل في هذا الكلام وتدبر ما معنى شغله بجمع كتاب الله . وأنت تعلم أن الحجاج بن يوسف كان قد جمع المصاحف وأسقط منها أشياء كثيرة" (20) .
كما يقول الكندي عن القرآن في رسالته:"أنه إنما هو كلام منثور لا نظام له ولا تأليف ولا معنى متسق بل هو متناقض كله ينقض بعضه بعضاً" (21) .