فهرس الكتاب

الصفحة 18803 من 27364

وهكذا كتب في نهاية القرن الحادي عشر رئيس كاتدرائية مدينة ماينتس في ألمانيا ايمبريخو يقول"أن المسلمين يحتفلون بجميع أشكال الزواج التي تحرمها الشريعة الإلهية ، ولأنهم جردوك أيتها الطبيعة من حقوقك غصباً ، تسعى المرأة إلى ممارسة السحاق مع نظيرتها ، ويمارس الرجل اللواط مع مثيله . بل وخلافاً للتقاليد يجامع الشقيق شقيقته ولا تمانع الأخت المتزوجة أن يباضعها أخوها الشيطان . الأبناء يهتكون عرض أمهم والبنت تغتصب أباها . وكل ما هو محبب على هذا المنوال كانت الشريعة الجديدة (الإسلام) تحلله" (30) . إن إطلاق الأكاذيب على الإسلام كان الأمر الشائع بين رواد الكنيسة في تلك العصور الأوروبية المظلمة كما نرى .

ومع بدء الحروب الصليبية واحتكاك النصارى اللاتين بالمسلمين بشكل كبير تتجدد هذه الأطروحات حول النبي محمد عليه الصلاة والسلام والقرآن والإسلام وكيف أنه عليه الصلاة والسلام تأثر بشخص مسيحي فيما تختلف الأطروحات حول هذا الشخص فتارة هو راهب حاول الوصول لمنصب بطرك القدس ، وتارة أخرى هو راهب نسطوري باسم جروجيوس أو سركيس ، وفي مؤلفات أخرى يظهر اسم الكاردينال نيقولاوس النيكولاييني وهو يتبع حركة تحررية غنوصية . وتصل قصة نيكولاوس هذا في مؤلفات لاتينية أخرى إلى درجة الوصول إلى بلاد فارس والتحالف مع محمد وراهب يسمى سيركيس ليتفقوا على نحلة جديدة . وكل هذا إنما كان الغرض من وراءه شيئاً واحداً وهو"تصوير الدين الإسلامي على أنه غير أصيل وغير عريق ، بل أنه صدى لتوجيه مسيحي هرطقي ووصمه بذلك ليتم تجريد القرآن من إدعائه الحق في أن يعد كتاباً من الكتب المنزلة ذات المصدر الإلهي" (31) . وكما سنرى لاحقاً فإن الكتابات اللادينية لا تخرج عن هذه الأطر والأهداف في نقدها للإسلام إذ تستمر في ترديد المقولات التنصيرية عن ورقة بن نوفل وأنه هو معلم النبي ومؤلف القرآن .

وفي القرن الثاني عشر الميلادي وخلال الحروب الصليبية ، ظهرت فكرة ترجمة القرآن الكريم للاتينية حتى يمكن فهم الإسلام ومعرفة تعاليمه ومجادلته وكان السبق في ذلك إلى رئيس دير كلوني بطرس المحترم Pete r The Vene r able في طليطلة ووكل بها الأنجليزي روبرت الكيتوني r obe r t von Ketton ، ونشأ بذلك فكر جديد بين الطبقة الكهنوتية المسيحية تفضل"مهاجمة الإسلام بالكلمة والعقل والمحبة بدلاً من الأسلحة والعنف والكراهية"كما يقول بطرس المحترم (32) . وقد استغرق العمل في الترجمة ثلاث سنوات من عام 1141م ، واتصفت هذه الترجمة بالتعليقات على القرآن الكريم بحيث أصبحت لا تنطبق والمعاني الواردة به لما شابها من تصرف وحذف وتغيير . كما اتسمت الترجمة بتعليقات وملاحظات لدحض الآيات القرآنية وتغيير أحكامها وبالتالي لم تكن ترجمة حرفية أو لفظية للقرآن ، كما لم تتناول معانيه طبقاً لما ورد به من أحكام يعتد بها ومعاملات دنيوية سطرها (33) .

وربما كان بطرس المحترم من أوائل من دعا إلى التبشير كوسيلة للهدم بدلاً من الحرب ، خاصة وأنه بحسب ريتشارد سوذرن ربما قرأ كتابات يوحنا الدمشقي عن الإسلام والتي ترجمت إلى اللاتينية في تلك الفترة (34) . وقد أوضح بطرس هدفه من نشر هذه الترجمة التي شحنت بالتعليقات التي رددت التهم على القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:"إن القرآن منبع الزندقات وسبب الحركات الهدامة التي تهدد كيان المسيحية فإذا أيد القضاء عليه فلا بد من دراسته والدعوة إلى أنه كتاب تعارض وتضارب وتناقض وأن ما فيه يرفضه العقل" (35) . كما يقول بطرس المحترم أيضاً عن الغرض من هذه الترجمة اللاتينية للقرآن:"إذا بدا أن العمل الذي أدعو له غير ضروري لأن العدو لن يتأثر بهذا السلاح ، أجيب أن بعض الأعمال التي تجري في مجال سلطة الملك الأفخم إنما تتم من أجل ضرورات الدفاع ، أما بعضها الآخر فليس له غير مهمة تزيينية ، والباقي يجري للمستقبل لا للحاضر . فسليمان المحب للسلام كان يصنع سلاحاً لم يستغل في أيامه ، وداود أمر بصنع زخارف للهيكل رغم عدم تبين معاصريه فائدة مثل هذا العمل .. وهذا هو الشأن في العمل الذي أقوم به هنا ، فإذا لم يمكن بهذه الطريقة إعادة المسلمين إلى المسيحية الصحيحة ، فلا أقل من أن يستفيد العلماء المسيحيون من عملنا في مجال دعم المسيحيين السذج الذي يمكن أن تضير هذه الصغائر عقيدتهم" (36) .

إذن فترجمة القرآن للاتينية كان الغرض منها تحريف صورة الإسلام لدى الشعوب الأوروبية وزعزعة صورة القرآن في نفوس المسلمين أيضاً . كما يقول المفكر الألماني هوبرت هيركومر Hube r t He r komme r في مقالته (صورة الإسلام في الأدب الألماني الوسيط) عن هذه الترجمة:"كانت معرفة الصليبيين بالقرآن محدودة جداً . صحيح أن أول ترجمة لاتينية لمعاني القرآن ظهرت سنة 1143م بقلم روبرت الكيتوني ، ولكن الاوروبيون كانوا يتطلعون إلى توظيف ترجمة معاني القرآن للطعن في الإسلام"، ثم يقول:"استغلت ترجمة روبرت الكيتوني اللاتينية لمعاني القرآن كمجرد ينبوع محبب للطعن في الإسلام على مدى قرون طويلة" (37) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت