فهرس الكتاب
وكما نرى فإن التلفيق والكذب من قبل المنصِّرين على الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم كان من القدم في شرق العالم الإسلامي وغربه ، بل الغريب أن يخرج هذا الكذب من أفواه من يفترض أن يتحلوا بالصدق . لقد أشاعت الكنيسة في زمن الحروب الصليبية الأولى في القرن الحادي عشر كل الأكاذيب عن الإسلام بين الجموع وبين مسالك الكهنوت في أوروبا لدرجة أن أحد اللاهوتيين الأوروبيين وهو غيبرت نوغنت كتب أول تقرير موجز عن سيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام بما يمكن اعتباره أول سيرة أوروبية له خارج إسبانيا الإسلامية ، ولم يكن في مصادره التي كتب بها تقريره أي مصادر مكتوبة بل كانت مصادره هي الرأي العام السائد آنذاك حتى أنه يقول في ذلك عن الرسول عليه الصلاة والسلام"إن الباحث له الحق في أن يتحدث بشكل سلبي عن رجل فاقت سيئاته كل حد معقول " (28) .
ومما يثير الانتباه أن التنصير بتشويه صورة الإسلام والاعتماد على الروايات الضعيفة والمكذوبة كان مكشوفاً لدى النابهين في العالم الإسلامي آنذاك ، فهذا الجاحظ يظهر لنا في كتاب رسائل الجاحظ مشاهداته بقوله:"على أن هذه الأمة لم تبتل باليهود ولا المجوس ولا الصابئين كما ابتليت بالنصارى . وذلك أنهم يتبعون المتناقض من أحاديثنا والضعيف بالأسناد من روايتنا والمتشابه من آي كتابنا ثم يخلون بضعفائنا ويسألون عنها عوامنا مع ما قد يعلمون من مسائل الملحدين والزنادقة الملاعين وحتى مع ذلك ربما تبرءوا إلى علمائنا وأهل الأقدار منا ويشغبون على القوي ويلبسون على ومن البلاء أن كل إنسان من المسلمين يرى أنه متكلم وأنه ليس أحد أحق بمحاجة الملحدين من أحد . وبعد فلولا متكلمو النصارى وأطباؤهم ومنجموهم ما صار إلى أغبيائنا وظرفائنا ومجاننا وأحداثنا شيء من كتب المنانية والديصانية والمرقونية والفلانية ولما عرفوا غير كتاب الله تعالى وسنة نبي صلى الله عليه وسلم ولكانت تلك الكتب مستورة عند أهلها ومخلاة في أيدي ورثتها . فكل سخنة عين رأيناها في أحداثنا وأغبيائنا فمن قبلهم كان أولها . وأنت إذا سمعت كلامهم في العفو والصفح وذكرهم للسياحة وزرايتهم على كل من أكل اللحمان ورغبتهم في أكل الحبوب وترك الحيوان وتزهيدهم في النكاح وتركهم لطلب الولد ومديحهم للجاثليق والمطران والأسقف والرهبان بترك النكاح وطلب النسل وتعظيمهم الرؤساء علمت أن بين دينهم وبين الزندقة نسباً وأنهم يحنون إلى ذلك المذهب".
ويقول الجاحظ أيضاً:"ودينهم - يرحمك الله - يضاهي الزندقة ويناسب في بعض وجوهه قول الدهرية وهم من أسباب كل حيرة وشبهة . والدليل على ذلك أنا لم نر أهل ملة قط أكثر زندقة من النصارى ولا أكثر متحيراً أو مترنحاً منهم . وكذلك شأن كل من نظر في الأمور الغامضة بالعقول الضعيفة ، ألا ترى أن أكثر من قتل في الزندقة ممن كان ينتحل الإسلام ويظهره هم الذين آباؤهم وأمهاتهم نصارى . على أنك لو عددت اليوم أهل الظنة ومواضع التهمة لم تجد أكثرهم إلا كذلك" (29) .
يتبع إن شاء الله
(23) الغارة على القرآن الكريم ، د. عبدالراضي محمد عبدالمحسن ، ص 31 - 32
(24) دراسات في الفكر العربي الإسلامي .. أبحاث في علم الكلام والتصوف والاستشراق والحركات الهدامة، د. عرفان عبدالحميد فتاح، ص 113 - 114
(25) صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 67
(26) مقال: أوروبا والإسلام في العصور الوسطى: قضايا المجابهة والعلاقات السياسية والانسانية ، حاتم الطحاوي ، دارالحياة ، 2004/07/3 ،
(27) صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 55
(28) صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى ، ريتشارد سوذرن ترجمة د. رضوان السيد ، ص 68
(29) موقع الإيمان http://www.al-eman.com/Islamlib/view...BID=192&CID=17
وقد وصل مدى التشويه على الإسلام من قبل الكنيسة في أوروبا إلى ألمانيا ، حيث نتج عن التصورات الإسلامية الخاصة بالجنة وما فيها من حور العين ذوات البكارة الأبدية ، وكثرة زوجات النبي والحق الشرعي لكل مسلم في الزواج من أربع نساء ، أن القرون الوسطى المسيحية صورت الإسلام على أنه الوليد الشهواني للشيطان ، وصورت النبي صلى الله عليه وسلم على أنه وحش جنسي آثم .