فهرس الكتاب

الصفحة 18822 من 27364

ويقسم العديد من الباحثين الاستشراق إلى عدة فروع . ولكن من حيث الأغراض فقد انقسمت الدراسات الاستشراقية إلى مدارس مطابقة لأغراض ودوافع عدة إلى ما يلي: فهناك المدرسة النصرانية ولها نزعتان: كاثوليكية وبروتستانتية . وهناك المدرسة اليهودية ، وهناك المدرسة الإلحادية العامة ، وأخيراً المدرسة الإلحادية الشيوعية ، إلا أن الجانب الأكبر في هذه الدراسات كان للمدرسة النصرانية كما يقول المستشرق سنوك هورخروني:"وبالتدريج توصلنا إلى اليقين بأن دراسة اللغات والحضارات والتاريخ السياسي والأدبي ضرورية ، وكذلك دراسة المؤسسات الاجتماعية والدينية لكل الشعوب الشرقية الأخرى ، التي لم نهتم بها حتى اللآن إلا للمصالح التجارية العلمية ، أو بدرجة أعمق من أجل المصلحة التنصيرية (93) . كما يقول أحد الباحثين:"كان الباعث الديني للاستشراق في بداية الأمر عرقلة تيار التحول من المسيحية إلى الإسلام ، ثم تطور هذا الباعث فيما بعد إلى محاولة تشكيك المسلمين أنفسهم في عقيدتهم بزعزعة المثل العليا للإسلام في نفوس أبنائه من ناحية وإثبات تفوق الحضارة الغربية وعظمتها من ناحية أخرى" (94) ."

ويعترف المستشرقون أنفسهم بتأثرهم بتلك النعرة الكنسية تجاه الإسلام حيث تضافر الخوف من الإسلام مع الجهل به والحقد عليه في تكوين صورة مشوهة عنه في أوروبا في القرون الوسطى . واستمرت هذه الصورة لم تتغير في جوهرها حتى العصر الحاضر في الدراسات الاستشراقية والإعلام الغربية . وهذه الصورة المشوهة للإسلام هي بداية الاستشراق . ويشير المستشرق مونتجمري وات وهو أحد كبار المستشرقين في العصر الحديث إلى أهم العناصر التي كونت هذه الصورة وهي:"أن العقيدة الإسلامية تحتوي على انحرافات (عن العقيدة المسيحية) وأن الإسلام دين العنف وأنه انتشر بالسيف وأنه دين يدعو إلى الانغماس في الشهوات وبخاصة الشهوات الجنسية . وأن في شخصية محمد ضعفاً أخلاقياً ، وأنه مؤلف دين زائف" (95) ، كما يقول أيضاً عن هذا الإرث الكنسي:"جد الباحثون منذ القن الثاني عشر في تعديل الصورة المشوهة التي تولدت في أوروبا عن الإسلام . وعلى رغم الجهد العلمي الذي بذل في هذا السبيل ، فإن آثار هذا الموقف المجافي للحقيقة التي أحدثتها كتابات القرون المتوسطة في أوروبا لا تزال قائمة فالبحوث والدراسات الموضوعية لم تقدر بعد على اجتنابها" (96) .

وبالطبع لا تخرج هذه الإدعاءات عن كل ما أوردناه سابقاً في تاريخ الجدل النصراني مع الإسلام خلال قرون طويلة حيث نرى بشكل واضح كيف أن مستشرق من القرن العشرين يوجز لنا أطروحات المستشرقين في العصر الحديث ، والتي لا تخرج عن أطروحات القساوسة والكهنة والرهبان في العصور الوسطى وما بعدها. ويعترف المستشرقون أو من أرخوا لهم بأن الجانب الديني في تناولهم للإسلام كان له أثر في كتاباتهم عن الإسلام وأنه من الصعوبة بمكان التخلي عن هذه النعرة في كتاباتهم ، فيقول المستشرق الأمريكي برنار لويس:"لا تزال آثار التعصب الديني الغربي ظاهرة في مؤلفات عدد من العلماء المعاصرين ومستترة في الغالب وراء الحواشي المرصوصة في الأبحاث العلمية". ويقول المؤرخ البريطاني نورمان دانييل"على الرغم من المحاولات الجدية المخلصة التي بذلها بعض الباحثين في العصور الحديثة للتحرر من المواقف التقليدية للكتاب النصارى من الإسلام فإنهم لم يتمكنوا أن يتجردوا منها تجرداً تاماً" (97) .

وهذا الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبونGustav LeBon يؤكد هذه النزعة الكنسية ضد الإسلام فيقول:"إننا لسنا أحرار في بعض الموضوعات ، والمرء عندنا ذا شخصيتين: الشخصية العصرية التي كونتها الدراسات الخاصة والبيئة الخلقية والثقافية والشخصية اللاشعورية التي استقرت وتبلورت بفعل الماضي الطويل وتأثير الأجداد والسلف .. وهكذا فإن أوهامنا الموروثة والمستقرة في اللاوعي عن الإسلام والمسلمين قد تراكمت عبر قرون كثيرة وصارت جزء من مزاجنا وطبيعة متأصلة فينا" (98) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت