فالنسبية فلسفة تزعم أن الحقائق العلمية، والقيم الخلقية، والمبادئ التشريعية، والنظم الاجتماعية والسياسية، كلها تتبدل وتتغير بتغير الزمان والمكان، فما كان حقاً بالأمس لابد أن ينقلب باطلاً اليوم أو غداً، وما كان عدلاً لدى اليونان قبل قرون من الزمان يستحيل أن يظل كذلك إلى اليوم، لا فرق في ذلك بين قانون وضعي وشريعة دينية، وبهذا التصور الشامل للفلسفة النسبية يقرر أنصار التجديد أن الشعر المقفى، واللغة الفصحى، والعمارة الإسلامية، والشريعة الإسلامية، والعقيدة الإسلامية إلخ إلخ، كانت صالحة لعصر النبوة والراشدين، ولكنها لا يمكن أن تصلح لنا اليوم، ولا مفر أمامنا من أحد أمرين: إما نقل نظائرها الأوروبية العصرية، وإما التخلف عن العصر والفناء تبعاً لذلك!
وأحسب أن فلسفة بهذا الوصف وهذا الامتداد والتشعب في حياتنا الدينية والفكرية والتشريعية والثقافية لجديرة بأن ندرسها، ونتفهمها، ونقومها: وهذا هو ما أرجو أن أنجزه في هذه الكلمة بأقصى ما يسعني من الإيجاز.
لقد ولدت النسبية في حجر السوفسطائيين، الذين صاغوها في العبارة المشهورة"الإنسان معيار كل شيء"بمعنى أنه هو الذي يحدد الحقائق العلمية، والقيم الخلقية، وبوسعه أن يعدلها، أو يلغيها، أو يستبدل بها غيرها، وقد تصدى لهم سقراط، مدافعاً عن موضوعية الحقيقة والقيمة واستقلالهما عن إرادة الإنسان وشهواته.
وماتت النسبية دهراً طويلاً، ثم بعثت من جديد وشاعت في الفكر الفلسفي الأوروبي الحديث...). (أساطير المعاصرين، ص 169 - 170)
كيف ترد على من يردد هذه السفسطة؟!
من يردد هذه الفكرة إما أن يكون مسلمًا أو غير مسلم. وغير المسلم إما أن يكون ملحدًا أو غير ملحد. فالملحد تُقام عليه الأدلة البينة الدالة على وجود الله؛ ثم إذا آمن بذلك أقيمت عليه وعلى غير الملحد من الكفار الأدلة الدالة على صدق نبينامحمد صلى الله عليه وسلم ؛ (وتراجع في ذلك الكتب المختصة بهذا) فإذا آمن به لزمه أن يؤمن بكل ما جاء به من عند الله؛ ومن ذلك أن الإسلام هو خاتم الأديان، وهو الحق الذي لا يقبل الله غيره. ثم يُلحق بالمسلم - كما سيأتي -.
وأما إن كان من يُردد هذه الفكرة أحد من يُظهر الإسلام؛ فإنه يُقال له: هل تعني بهذه العبارات أن الحق قد يكون في الإسلام وقد يكون في غيره من الديانات المحرفة أو الباطلة؟! فإن قال: نعم ! قيل له: هذه ردة صريحة وكفر بدين الله؛ القائل:"وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ"آل عمران: 85، والمخبر بأن الإسلام هو"الحق"في عدة آيات؛ منها قوله:"إنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً"البقرة: 119، وقوله:"وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ"الأنعام: 66، وقوله:"قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ"التوبة: 29، وقوله:"هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ"التوبة: 33، وقوله:"قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ"يونس: 108، وقوله:"وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ"الرعد: 1، وقوله:"وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ"الكهف: 29، وقوله:"وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ"فاطر: 31.
فإن قال: معاذ الله أن أقول بهذا ؟! ولكني أعني: أن لا أحد يدعي امتلاك الحق من"المسلمين".
فيقال له: ولكن هذا يناقض الفكرة التي ترددها ! لأنك حصرت الحقيقة في أهل الإسلام ! فهذا يدل على بطلان ما تُردد. ولكن تنزلا معك يقال: هل تعني بذلك أن الحق قد يكون عند أهل السنة وقد يكون عند غيرهم من أهل البدع؛ كالصوفية والرافضة والمعتزلة .. الخ .
فإن قال: نعم.
قيل له: سبق أنك أقررت بأن الحق هو الإسلام؛ فلننظر أي هؤلاء يسير على الإسلام الذي أرسل لأجله صلى الله عليه وسلم دون تحريف؛ لأن صلى الله عليه وسلم أخبر بأن أهل الإسلام يفترقون إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. فلما سئل: من هي؟ قال:"من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي"، وقال:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وما كان علي صلى الله عليه وسلم وأصحابه معروف معلوم؛ قد جاءت به نصوص الكتاب والسنة وآثار الصحابة، وما حدثت هذه الفرق إلا بعدهم باتفاق الجميع.
فإن قال: بل أنا أعني أن الحق داخل إطار أهل السنة؛ ولكنه يختلف باختلاف أهل العلم والأشخاص.
فيقال: يكفينا هذا منك! فلماذا لا تعلنه عندما تردد تلك العبارات الموهمة ؟!