فهرس الكتاب

الصفحة 18887 من 27364

قال: وكيف ذلك؟ . قلت: لأنها قيلت بحق أوربة عندما عطلت الكنيسة فيها العقل وجمدته، وشكلت طبقة من الإكليروس متميزة، ظهر منها، ما لا يليق بها.. وخاضت صراعاً عنيفاً بين العلم والدين، وقالت للإنسان: (( أطع وأنت أعمى ) ).. لذلك جابهت العلماء، وحرقت بعضهم- وعلى سبيل المثال ـ جعلت القول بكروية الأرض ودورانها جريمة. فهذه الأحوال المعطلة للعقل، والصادة عن العلم، والواقفة عقبة كأداء في سبيل تقدمه، يحق فيها ما قيل عنها.

أما الدين الذي جعل من تعاليمه تقديس العقل وتكريم العلم والعلماء في أي اختصاص.. فلا ينطبق عليه القول.. إن الدين الذي من تعاليمه:"ُقلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ"البقرة: 111، لا ينطبق عليه القول المذكور. والدين الذي جعل من مبادئه:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ"المجادلة: 11 . لا ينطبق عليه القول المذكور. إن الدراسة ـ التي عُممت ـ تمت على واقع أوربة في القرنين الماضيين.. فالقول الصحيح: (( الدين ـ في أوربة ـ أفيون الشعوب ) ).

قلتُ: يا صاحبي، سأضع بين يديك شواهد وأدلة من إسلامنا، كل واحد منها كاف لرد التعميم القائل: (( الدين أفيون الشعوب ) )زمنها:

1 ـ يقول الله عز وجل في محكم التنزيل:"لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً"النساء: 114. دين يجعل المجالس التي ليس فيها إصلاح للمجتمع لا خير فيها، دين ليس أفيوناً، إنه دين المجتمع الفاضل المتكافل المتحاب..

2 ـ دين يجعل من مبادئه:"وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى"النجم: 39، دين ينبذ الكسل والتواكل، ويحب السعي والعمل.. استعاذ نبيه، r، من الجبن والبخل والعجز والكسل.. دين يجعل السعي مبدأ، والعمل أساساً.. دين ليس أفيوناً.

3 ـ دين يجعل من تعاليمه:"وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ"التوبة: 105، دين يقدس العمل ويأمر به، دين الحركة الدائبة في طلب الرزق الحلال.. ليس أفيوناً.

4 ـ دين ورد في دستوره:"وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّا* فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً"مريم: 25-26 فدين يعلم أتباعه، ألا تواكل، وأنتم في أضعف حالة من القوة والنشاط، لن يصلكم رزقكم إلا بالعمل، قدموا طاقتكم، وابذلوا ما في وسعكم.. دين حياة، وليس أفيوناً.. فالخطاب في الآية الكريمة لمريم، وهي في ساعة الولادة.. ومع ذلك لم يرسل الله لها رزقها دون حركة وعمل.. بل قال لها:"وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّا..."وهذا تعليم للمؤمنين.. ألا رزق بدون سعي فلا رطب بدون هز جذع النخلة.. فدين هذه تعاليمه، هل هو أفيون؟ لا أحسب عاقلاً يقول هذا.

5 ـ قال نبي الإنسانية، r،: (( لأن يأخذ أحدكم أحبُله(جمع حبل) ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكُفّ الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه )). وقال عليه الصلاة والسلام: (( ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يديه، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ) ). وقا صلى الله عليه وسلم: (( مَن بات كالاً من عمل يده، بات مغفوراً له ) ).. ولما رأى عليه الصلاة والسلام صحابياً يده خشنة قال له: (( ما هذا الذي أرى بيدك؟ ) )، فقال الصحابي: من أثر المر والمسحاة، اضربُ وأعمل وأنفق على عيالي.. فسُرَ النبيُ الكريم، وقدر اليد العاملة وقال: (( هذه يدُ لا تمسها النار ) ). فهل دين فيه هذا التقدير من نبيه للعمل والعمال، دين تخدير وأفيون؟ أيقول عاقل هذا؟؟!! علماً أن من صريح تعاليمه: (( إن الله يكره العبد البطال ) )و (( إن الله يحب المؤمن المحترف ) ).

6 ـ ورد في الحديث الشريف، (( المؤمن كيس فَطن حذر ) )ومعنى المؤمن الكيس: المؤمن العاقل المدرك.. أما المؤمن الفطن: فالمؤمن الذكي النبيه (( ليس بالخب والخب لا يخدعه ) ).. منتهى اليقظة والتنبه.. فأين التخدير والأفيون؟ الإسلام عقل مدرك، وفطنة وذكاء..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت