فهرس الكتاب

الصفحة 18901 من 27364

نستخلص أن هذا يؤكد أن مفهوم اللانهاية مفهوم لا يجب تنزيله على الظاهرة المادية الواقعية. وهذا هو ما يقوله علماء الرياضيات أنفسهم، فالعالم الرياضي الشهير دافيد هلبرت يقول:"إن اللانهاية لا توجد داخل الطبيعة… إن دورها الوحيد الذي يمكن أن تقوم به هو دور فكرة".

ومن ثم نستنتج:

أن ماضي بلا بداية سيكون عددا لانهائيا من الأشياء والحوادث، وعدد لا نهائي من الأشياء والحوادث أمر لا يوجد في المجال الطبيعي المادي.

ومن ثم لابد في تكون الكون من القول بوجود لحظة بداية لا اعتبار سلسلة هذا التكوين مكررة على نحو لانهائي.

والواقع أنه حتى الملحدين الذين يحترمون عقولهم يقولون بهذا، فالملحد دفيد هيوم يقول بصريح العبارة:"إن عددا لانهائيا من مراحل الزمن التي تتالى يبدو مجرد فكرة متناقضة، وهي فكرة لا يوجد إنسان يقتنع بها دون أن يكون في اقتناعه يفكر على نحو فاسد مختل"

من هنا نخلص عقليا إلى النتيجة ذاتها التي أكدناها من قبل علميا، وهي أن القول بأن الكون له لحظة بداية هو القول المقبول عقلا. والذي يسنده العلم ،من خلال نظرية الانفجار العظيم .

أعرف أن نظرية الانفجار العظيم لها مثل أي نظرية أخرى انتقادات. ومن بينها ما التقطه بعض المفكرين من ملاحظات بكون الكون يتمدد على نحو متسارع، الأمر الذي كشف بعض الثقوب في نسق نظرية الانفجار العظيم.

لكن هذا النقد لم يلغ النظرية، بل إنه يبقى هو نفسه مصطدما بما اصطدمت به نظرية تكرار الانفجار التي عرضناها سابقا وقدمنا نقدا لها من مدخل العلم ومن مدخل النقد العقلي لمفهوم اللانهاية.

من أين أتيت يا نقطة الدبوس؟؟!!!

لكن لنفترض موقفا ثالثا قد يلجأ إليه الملحد وهو أنه:

قد يقبل قول العلم فيقول بوجود انفجار عظيم ،لكنه يعترض علينا باعتراض جديد وهو أن الانفجار العظيم لا يقول بما كان قبل حدث الانفجار، بل كل ما يقول به هو أن الكون كان في البدء نقطة صغيرة جدا جدا، أصغر من نقطة الدبوس، ثم انفجرت!

هنا نسأل الملحد: من أين جاءت تلك النقطة الصغيرة الهينة التي كان كل ما نشاهده و ما لا نشاهده من مساحة هذا الكون الهائل موجودا داخلها؟

هل نقبل بوجودها من عدم؟

يطرح السؤال هنا من جديد:

من الذي يفكر على نحو معقول؟

هل المؤمن الذي يقول بوجود خالق قادر عالم مريد هو الذي أوجد الكون ونظمه أم الذي يقول بوجود نقطة دبوس صغيرة غير عاقلة ،تائهة في اللامكان واللازمان ،لتنفجر يوما ما - قبل حوالي 15 مليار سنة - محدثة كل هذا الكون البديع؟!!

ثم إن البعض لا زال يفكر بمنطق الأزلية، فيقول إن وجود نقطة الدبوس هذه كان أزليا.

الأمر الذي يجعلنا ولابد ندفع بسؤال آخر نطلب الإجابة عليه:

إذا كانت نقطة الدبوس موجودة أزليا فالسؤال الذي يطرح هو لماذا استمرت كل ملايير ملايير ملايير - إلى ما لانهاية !!!!- من السنوات خامدة ساكنة، ثم منذ 15 مليار سنة تقرر أن تنفجر محدثة هذا الكون!

ما يشكل 15 مليار سنة في حكم الأزل ؟؟؟

ثم قد يقف الملحد موقفا رابعا فيقول:

إنه يرفض أن يسأل ما كان قبل نقطة الدبوس تلك، لأن مفهوم القبل والبعد مفاهيم زمانية، والزمان مثل المكان لم يوجد إلا مع حدوث الانفجار. إذ به ابتدأ الزمان!

فأقول:

إن هذا المسلك في التفكير هو تفسير لحدوث الزمان لا لحدوث المادة الأولية التي مورس عليها فعل الانفجار، فتخلق بهذا الفعل آنات الزمان الكوني. أقول الزمان الكوني لأنني أعتقد بوجود زمان آخر.

ومن ثم يبقى السؤال منتصبا يحتاج من الملحد إلى إجابة وهو:

من خلق نقطة الدبوس الصغيرة التي ستنفجر يوما؟

نحن لا نعتقد بأزلية نقطة الدبوس! لذا نرى صواب قول عالم الفيزياء المعاصر ادموند ويتيكر عندما يؤكد صراحة:"ليس هناك ما يدعو إلى أن نفترض أن المادة والطاقة كانتا موجودتين قبل الانفجار العظيم وأنه حدث بينهما تفاعل فجائي. فما الذي يميز تلك اللحظة عن غيرها من اللحظات في الأزلية؟ والأبسط أن نفترض خلقاً من العدم، أي إبداع الإرادة الإلهية للكون من العدم"

ومن ثم فالنتيجة التي نخلص إليها هي اللا أزلية وتوكيد الحدوث ووجود الخالق.

دليل النظام

لكن مع ذلك أقول مفترضا جدلا أن الملحد سيقف موقفا خامسا خلاصته عدم الاقتناع بما سبق:

فلم يقنعه خطاب العلم الفيزيائي القائم على نظرية الانفجار العظيم، أو لنفترض أنها نظرية الانفجار خاطئة ، كما نفترض أن الملحد لم يقنعه التحليل العقلي الذي بلورناه سابقا لتوكيد القول بوجود لحظة بدء لهذا الكون. ولنفترض أنه يطلب دليلا آخر.

إذن لنترك نظرية الانفجار الدالة على حدوث الكون ولنتأمل ما يلي:

لنأخذ فكرة الإلحاد القائلة بالنوسان، أي أن هذا الكون أصله"مادة"مكثفة ،تنفجر فيتكون الكون، ويتمدد ثم ينكمش فيعود إلى حالته الأولى (أي أصغر من نقطة الدبوس ) فينفجر من جديد.

فنقول:

إن الكون قبل الانفجار كان كله في حجم أقل من بروتون واحد!!!! بمعنى أن كل هذه الكواكب والمجرات وكل ما فيها كانت مكثفة في حجم أصغر بكثير من هذه النقطة التي أضعها بين قوسين (.)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت