فهرس الكتاب
أرجو أن يتأمل الملحد جيدا في هذه النقطة الموضوعة بين قوسين، ولينصت إلي قليلا:
أتدري ماذا كان في نقطة الدبوس تلك؟ كان فيها كل شيء من أشياء هذا الكون ،فيها كنت أنا وأنت وجميع أعضاء هذا المنتدى … وكان فيها أيضا كوكب الأرض بل والمجرات … وكل هذا الكون الذي لا زال في امتداد وتوسع!
ثم انفجرت النقطة الصغيرة التي لا ترى ليستوي منها كل هذا الكون العظيم.
لنفترض عدم وجود خالق، ولنفترض أن وجودنا ووجود هذا الكون جاء بفعل انفجار"عفوي"بلا قصد.
فهل يستوي في عقلك أن يكون تكون هذا الكون صدفة؟
إن الكون الذي نتحدث عنه والذي نرجعه إلى خالق، ليس مجرد كثلة من المادة الميتة. ولا هو ظواهر فوضوية مهزوزة بلا انتظام ولا نسق. بل هو كون منظم بلغ في انتظامه واتساقه درجة مذهلة.
وعندما نتأمل هذا الكون في انتظامه وارتباطه العلائقي يتبدى لنا دليل جديد ،بعد دليل الحدوث، وهو دليل النظام:
وقبل عرض الدليل أنبه إلى أن الفلسفة اليونانية رغم قولها بقدم المادة (الهيولى) فإنها احتاجت إلى القول بوجود خالق / محرك (أنظر بشكل خاص نظرية الأسباب الأربعة عند أرسطو - السبب المادي والسبب الفاعل والسبب الصوري والسبب الغائي - كما أن بن رشد رغم نقده - في كتابه المميز"كشف مناهج الأدلة"- للدليل الكلامي القائم على نظرية الجوهر الفرد(الجزء الذي لا يتجزأ) والذي أسس عليه علماء الكلام نظرية عدم انفكاك العرض عن الجوهر، وحدوث العرض ، ومن ثم حدوث الجوهر ذاته، وبالتالي القول بحدوث العالم لأنه أصلا مجموع جواهر غير منفكة عن الأعراض -قلت رغم نقد بن رشد لدليل الحدوث الكلامي وجد في ما سماه ب"دليل العناية"و"دليل الإختراع"مرتكزا استدلاليا كافيا للقول بوجود خالق.
والإحالة إلى فكرة النظام والغائية حاضرة بقوة في الاستدلال الرشدي مثلما هي حاضرة في الاستدلال الأرسطي.
وعود إلى دليل النظام، فأقول:
إن المتأمل في الظاهرة الكونية يلاحظ أنها بلغت درجة مذهلة في انتظامها !
نعم ثمة الآن نظرية علمية تقول بالكوارث والفوضى، وجدت بأن يعض الملحدين يكررونها وكأنها مدخل يعفيهم من سؤال كيف حدث النظام الكوني؟
فلنتأمل مأزق هذا التفكير الإلحادي:
بالنسبة لنظرية الكوارث والفوضى التي ستظهر في سبعينات القرن العشرين لا تقول أبدا بإلغاء فكرة الانتظام الكوني. بل كل ما تقوله هو أن ثمة ظواهر في الكون يمكن الاصطلاح عليها بكونها فوضى، أي خارقة لما نشاهده من عادة الانتظام الشاملة للكون.
بل هنا يجب الانتباه إلى أمر دقيق عميق، وهو أن القول بالفوضى لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان هناك انتظام تقيس عليه فتنسب الفوضى إلى ما لا ينتظم مثله.
ثم لو عدنا إلى نظرية الفوضى فيزيائيا سنلاحظ:
أولا: أن القائلين بها ،يعترفون بكون الظاهرة التي تتبدى بمظهر الفوضى مكونة من مكونات منتظمة، أي أنها ليس مطلق الفوضى .
ثم ثانيا: إنها لا تلغي وجود نظام في الكون.
الأمر الذي يجعلنا نخلص إلى الاستنتاج التالي:
أن مقولة انتظام الكون مقولة لا قبل بدفعها أو رفضها.
إذن لنأخذ ملحوظة النظام ونعود بها إلى نقطة الدبوس!!!!!
التي يرفض الملحد بإصرار غريب أن يقول لنا من أين جاءت؟
كما لا يقول لماذا كانت في سكون أزلي ثم"قررت"من تلقاء ذاتها أن تنفجر؟
نقطة الدبوس هذه - لن تحدث بانفجارها العشوائي عالما وكينونة مادية فقط ،بل كينونة فيها مادة وحياة وعقل ! بل ستحدث عالما مترابطا منتظما.
هنا يطرح من جديد سؤال جديد يحتاج الملحد أن يجيبنا عليه:
كيف يتكون من حدث الانفجار كون منتظم؟
لكن لنسلك مسلك التفكير الإلحادي لنرى ونستشعر بوضوح المتاهة التي ستقودنا إليها الإجابة الإلحادية.
إن هذا الانفجار الحادث فجأة سينشئ كونا منتظما !!!
أما كيف حدث الانتظام فالإجابة الإلحادية هي:
إن الأمر حدث صدفة. وهذا النظام المذهل في دقته الذي يؤسس للبناء الكوني كان أيضا مجرد صدفة!
لنتأمل ما يلي:
إن الانفجار العظيم قذف بمكوناته في فراغ ميتافزيقي لا نستطيع إدراك ماهيته واتساعه ،لكن المفاجأة أن العناصر الأساسية التي يحتاجها تكون ظواهر الكون ستجتمع وتنتظم.
لكن هل هذه الإجابة الإلحادية - التي أقل ما يمكن أن ننعته بها هو أنها إجابة مستهترة ! - مقبولة عقلا؟
لنختبرها بلغة العلم:
من نقطة الدبوس إلى الإنزيم !!
لنتحدث عن الأرض فقط فنقول:
لا يعرف جميع أعضاء المنتدى ماذا يعني بحساب الاحتمال الرياضي حدوث الأرض وانتظامها بغلافها الجوي المخصوص وبقدر من الغازات محدد، وتشكل العناصر وتضامها إلى بعضها البعض بنسب معينة حتى يوجد الماء، وتوجد التربة ويوجد الهواء المناسب، وانتظام عناصر أخرى بمقدار محدد حتى تنشأ الحياة، والكائنات الحيوانية..
ثم انتظام عناصر أخرى فينشأ كائن جديد اسمه الإنسان لا يمتاز فقط بانتظام خلايا وعناصر تكوينية فيتشكل بها جسده ،بل له فوق ذلك شيء يسمى عقل يستطيع به أن يفكر !
لا يعرف جميع أعضاء المنتدى ولا أنا منهم، ولا جميع أهل الأرض من علماء ماذا يعني بحساب الاحتمال الرياضي حدوث هذا صدفة.
لماذا لا يعرفون؟