فهرس الكتاب
-الداروينيّة: نسبة إلى شارلز داروين، أقامَ مدرستهُ هذه على أساسِ أنّ الأحياءَ جميعاً لم تُخلقْ كلُّ واحدةٍ منها خلقاً مُستقلاً، بل كانَ لها أصلٌ واحدٌ وهو الخليّة البسيطة، ثمّ أختْ تتطوّرُ وترتقي من طور إلى طور آخرَ، حتى نشأتِ البشريّاتُ والإنسانُ، وأنّ الطبيعة َ هي التي كانت تختارُ الأصلحَ للبقاءِ، وذلكَ ما عبّرَ عنهُ بمصطلح: الانتخابِ الطبيعيِّ، أو بقاءِ الأصلح، ومدرسة داروين تجمعُ في ثنياها كبارَ ملاحدةِ العالم، والذين يرونَ أنّ الإنسانَ لا خالقَ لهُ، وأنّهُ وليدُ ملايين السنواتِ من التطوّر الطبيعي، والنشوءِ والارتقاءِ بينَ الأنواع ِ المختلفةِ، وبالرغمِ من عدم وجودِ أي دليل علميٍّ، يُبتُ صحّة نظريّةِ داروين، إلا أنّها اجتاحت العالمَ الغربيَّ اجتياح غريباً، وأثرتْ فيهِ وفي ثقافتهِ ، حتى بدأتْ تنحسرُ في الآونةِ الأخيرةِ.
وهناكَ العديدُ من المدارس غيرُ ما ذُكرَ، وكذلكَ النظريّاتِ، سواءً ما كانَ منها علميّاً بحتاً، أو اجتماعيّاً، أثّرتْ أو تأثرتْ بالإلحادِ، وقامت بترسيخِ مفاهيمهِ، ودعتْ إليهِ.
ومن المؤسفِ حقّاً، أنّ الإلحادَ حينما صبغَ الحياة َالعامّة في أوروبا، أصبحَ أمرُ التديّن، والتمسّكِ بدين، أو الإيمان بالخالق، شيئاً غريباً !، وظاهرة تدعو إلى العجّبِ!، بعد أن كانت هي السائدة على نظام ِ الحياةِ، ومؤسساتِ الحُكم، وإن كانَ ثمَّ شيءٌ يدعو إلى التعجّبِ والاستغرابِ، فهو انتشارُ الإلحادِ في تلكَ الفترةِ، وانحسارُ الإيمان باللهِ، وتعلّقُ الناسِ بالمادّةِ والطبيعةِ، ووصفهم للدينِ بأنّهُ تخلّفٌ ورجعيّة.
هذا كانَ عرضاً موجزاً عن بداياتِ الإلحادِ في العالمِ الغربيِّ، فماذا عن العالم ِ العربيِّ والإسلاميِّ !.
الكلامُ عن حركاتِ الإلحادِ المنظّمةِ في العالم العربيِّ، وكذلكَ المُجاهرة بهِ، وإعلانُهُ على الملأ، نشأ بعدَ منتصفِ القرن ِالتاسعَ عشرَ ، حينما بدأ العالمُ الإسلاميُّ والعربيُّ، يتّصلُ بالعالم ِ الغربيِّ، عن طريق إرسالياتِ الدراسةِ، أو التدريبِ، وتسبّبَ ذلكَ في رجوع ِ مجموعةٍ من الطلاّبِ متأثّرينَ بالفكر الأوربيِّ الماديِّ، والذي كانَ يقومُ على أساس ِ تعظيم ِ علوم الطبيعةِ، ورفع شأن العقل، وكذلكَ تنحية الدين والشرع، عن حكم الحياةِ والناس وإدارةِ شئونهم.
في بدايةِ الأمر لم يكن ثمَّ دعوة صريحة ٌ للإلحادِ أو الرّدةِ، وإنّما كانتْ هناكَ دعواتٌ للتحرّر، أو التغريبِ، أو فتح ِالمجال أمامَ العقل، ومُحاكمةِ بعضِ النصوص الشرعيّةِ إلى العقلِ أو الحسِّ والواقع، ومحاولةِ إنشاءِ خلافٍ وهميٍّ، وصراع مُفتعل، بينَ العقلِ والشرع.
ومع مرورِ الوقتِ، وزيادةِ الاتصالِ بالغربِ وتراثهِ، وانتشار موجةِ التغريبِ بينَ الناس، ظهرتْ بعضُ الدعواتِ الصريحةِ للإلحادِ وفتح بابِ الرّدةِ باسم ِالحريّةِ الفرديّةِ.
وحينما نشطَ اليهودُ في تركيا، ودعوا إلى إقامةِ قوميّةٍ تركيّةٍ، تحُلُّ محلَّ الرابطةِ الدينيّةِ، ظهرتْ مظاهرُ عدّة في الواقع، تدعو إلى نبذِ الدين، وتظهرُ العداءَ لبعض شعائرهِ، ومع مرورِ الوقتِ ، تطوّرتْ هذه الحركة ُ ، حتى جاءَ مصطفى كمال أتاتورك ، وقامَ بإلغاءِ الخلافةِ ، وأنشأ الدولة التركيّة العلمانيّة، وحاربَ جميعَ العلماءِ وسجنهم، وراجَ على إثرَ ذلكَ الكفرُ والإلحادُ، وظهرتْ عدّة ُ كتبٍ تدعو إلى الإلحادِ، وتطعنُ في الأديان، ومنها كتابٌ بعنوانِ"مصطفى كمال"، لكاتبٍ اسمهُ قابيل آدم.
هذه الجرأة في تركيا قابلها جرأة مماثلة، في مصرَ، سمّيتْ ظلماً وزوراً عصرَ النهضةِ الأدبيّةِ والفكريّةِ، بينما هي في حقيقتها حركة تغريبيّة، تهدفُ إلى إلحاقِ مصرَ بالعالم الغربيِّ، والتخلّق بأخلاقهِ، واحتذائها في ذلكَ حذوَ تركيّا، التي خلعتْ جلبابِ الحياءِ والدين، وصبغتْ حياتها بطابع العلمانيّةِ والسفورِ والتمرّدِ .
في تلكَ الحقبةِ في مصرَ، ظهرَ العديدُ من المفكّرينَ والأدباءِ، يدعونَ إلى التغريبِ والإلحادِ، وفتح ِ بابِ الرّدةِ، باسم التنوير تارة، وباسم النهضةِ الأدبيّةِ تارة أخرى، ومرّة باسم الحرّياتِ الفكريّةِ ، وتلقّفتْ مصرُ - في تلكَ الفترةِ - دونَ تمييز، جميعَ أمراض المجتمع الأوربيِّ، وكذلكَ أخلاقهُ المنحلّة، وأصبحتْ قطعة من أوروبا، ومن فرنسا تحديدا، وعاثَ في أرضها بعضُ المستشرقينَ فساداً وإفساداً، ثمّ سلّموا دفّة الإفسادِ إلى بعض المصريينَ، ممن لم يتوانوا في نشر الكفرِ والإلحادِ، وسعوا سعياً حثيثاً إلى إلغاءِ الفضيلةِ والأخلاق الإسلاميّةِ، وإحلال ِ النفعيّةِ والماديّةِ محلّها، حتّى أصبحَ دُعاة ُ الإسلام والمُحافظةِ غرباءَ على المُجتمع دُخلاءَ عليهِ، ويوصفونَ بالجمودِ والتخلّفِ والعداءِ للحضارةِ!! .
وبما أنّ مصرَ هي رئة العالم ِفي ذلكَ الوقتِ، فقد انتقلتْ حمّى الردةِ والإلحادِ، إلى جميع ِ دول ِ الجوار، ابتداءً من الشام، ومروراً بالعراق، والخليج بما فيها السعودية، وانتهاءً ببلادِ اليمن.