وإن تكن ذنوبك عظُمَت فالله أعظم، أو كثُرت فالله أكثر، وكم من حائدٍ عن طريقه أصبح من أخلص أوليائه، وكم من محاربٍ له أصبح محاربًا عن دينه ومنهجه، والأمثلة على ذلك كثيرة، فقد كان الفضيل بن عياض قاطعًا للطريق، ثمَّ أصبح من علامات الطريق إلى الله وأدلَّته.
وجاء عمير بن وهب من مكة متوشِّحًا سيفه عازمًا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم ، فعاد وقد فتح الله قلبه للإيمان، وأخذ على نفسه عهدًا ألا يدع موطنًا نال فيه من الإسلام ونبيِّه إلا ويدعو فيه إلى الإسلام ويذُبّ عنه.
على أنَّني - أخي الكريم - يُهمُّني أن أتوجَّه إليك ببعض النصائح - والدين النصيحة، لله ولكتابه ولرسوله ولأئمَّة المسلمين وعامتهم:
أوَّلاً: لقد عشتَ وحشة البعد عن الله، وجرَّبتَ معصيته، ثمَّ ها أنت ذا تعود إلى رحابه بفضلٍ منه سبحانه، فاستمسك بهذه النعمة العظيمة التي منَّ الله بها عليك، وأدِّ حقَّها، وحقُّ النعمة شكرها، وشكرها كما يكون باللسان والقلب يكون بالعمل، والعمل هنا يتمثَّل في أكثر من ناحية:
-يتمثل في أن تعمل دومًا على الارتقاء بذاتك علميّا بالمعنى الشامل للعلم: العلم الشرعي الذي تصِح به عقيدتك وعبادتك وقراءتك لكتاب الله، ولئن كنتَ قد أمضيت سنوات تطَّلع فيها على أبواب من المعرفة قد تكون نافعة، لكنها لا تبنى شخصيتك المسلمة، فإنه حق عليك الآن بعد أن عرفت الحق أن تلزمه، ولن يكون ذلك إلا بالعلم، وإنما العلم بالتعلم، ولذا فإني أنصحك أخي أن يكون لك منهج في الانفتاح على العلوم الشرعية، ولنبدأ بما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (طلب العلم فريضة على كل مسلم) رواه ابن ماجة بسند صحيح.
والعلم الذي هو فريضة هو الذي لا يسع مسلمًا الجهل به في جوانب: العقيدة والعبادة والمعاملة والأخلاق.
فلتتعلم ما تصح به عقيدتك، وتصح به عبادتك، وتسلم به معاملتك، من بيع أو شراء أو تجارة أو نكاح أو غيرها، وتستقيم به أخلاقك؛ لأن أكثر ما يدخل الناس الجنة حُسن الخلق، كما ورد عن الصادق المصدوق r.
فإذا أسستَ هذا الأساس، فلتنتقل إلى البناء المعرفي المتكامل من العلوم الشرعية، وهذا بالطبع لن يكون بين عشية وضحاها، ولكن يتحقق بالجهد والإخلاص في طلب العلم.
وهذا باب واسع، ولكن لا أقل من قدر من الإلمام بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وشيء عن علوم القرآن والحديث الشريف، مع الاهتمام بواقع المسلمين، فمَن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
وأرجو أن يكون في موقفنا هذا ما يدلك على منهج للبناء العلمي والمعرفي في هذا السبيل.
ثم لنعمل على الارتقاء بنفسك روحيّا، فالعلم سبيل إلى العمل، والقلب له حياة وغذاء، كما أن الجسد كذلك، ولا شك أنك بتجربتك التي خُضتها، وبالإيمان الذي أفاض الله به عليك تعلم ذلك وتحسه.
ولهذا لابد أن تعمل دومًا على الارتقاء في هذا الجانب، وذلك أيضًا بقدر من التعلم من كتب القوم، كمنهاج العابدين للغزالي، وأخبار الغزالي أيضًا، وتقوى القلوب لأبي طالب المكي، والرسالة التفسيرية شرح الحكم العطائية، إلى غير ذلك من الكتب التي رسم بها هؤلاء الأعلام الطريق إلى الله تعالى والمسلمون معاني الإخلاص والتوكل والتسليم والصبر والرضى، على أن العلم هنا لا ينفع وحده، بل لابد من السلوك، فليكن لك زادك الروحي من ورد قرآني، ومحافظة على أذكار الصباح والمساء، وحبذا لو استمسكت بركعتين في جوف الليل أو صيام بعض النوافل.
ثم يأتي دورك كمسلم، مُطالَب أن يقوم بدعوة غيره إلى الإيمان والطاعة على أنني هنا - أخي الكريم - أنبهك ألا تتصدى لقضايا خلافية أو تدخل في مشكلات فقهية، ففي أساسيات الإسلام والإيمان، وفي المتفق عليه، كفاية لأن نقوم بدورنا في الدعوة.
وكل مسلم قادر على أن يقوم بواجبه في الدعوة إلى الله بعمله الصالح وسلوكه القويم، وبالحكمة والموعظة الحسنة، في الأمور الواضحة البيّنة التي يجهلها كثير من المسلمين.
واعلم أن إخلاص الداعية وصدقه هو أهم ما يؤثر فيمَن يدعوه، ولعلك بإخلاصك وصدقك في نقل تجربتك لآخرين ستكون إن شاء الله خير هادٍ لغيرك ممَّن لا يزال بعيدًا عن الله سبحانه وتعالى.
ثانيًا: اعلم يا أخي أن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، فإن المُنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، فهنيئًا لك هداية الله، ويُحمَد لك رغبتك الدافعة في أن تتعرف على أمور دينك، وأن تكون من دعاته، ولكن الأمر - أخي - يحتاج إلى رفق وتؤدة، حتى تقيم بناءك الروحي والعلمي بشكل صحيح، فإياك أن تأخذك العاطفة والحماسة، فتندفع تريد أن تعرف كل شيء وتقوم بكل شيء، وتتصدى لكل باطل، هكذا بلا تدرج ولا تخطيط.