فالتدرج سُنَّة من سنن هذا الدين، ومعلم من أهم معالمه، هكذا علمنا الله سبحانه، فقد ذمَّ الخمر مرتين وحرمها في الثالثة، وبدأ بتأسيس العقيدة، واستغرق في ذلك المرحلة المكية بأكملها، ثم شرع في بناء المجتمع والدولة، فنزلت التشريعات تنظم حياة الناس، وفي ذلك تقول عائشة رضي الله عنها: (إنما نَزَل أول ما نزل منه - أي القرآن - سورة من المُفصَّل، فيها ذِكْر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنُوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا) رواه البخاري.
والشاهد من هذا - أخي - أن التدرج في التعبير لابد منه، فلتبدأ في بناء ذاتك روحيّا وعلميّا، وبالالتزام عباديّا وأخلاقيّا، ولكن حبذا لو كان ذلك رويدًا رويدًا، وفي الحديث القدسي العظيم قوله تعالى: (وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه) رواه البخاري.
فانظر كيف بدأ عز وجل بالفرائض، وجعلها أفضل ما يتقرب إليه سبحانه به، ثم ثنَّى بالنوافل، وعدها طريقًا لنيل محبة الله سبحانه.
ومن مقولات أبي بكر في نصيحته لعمر - رضي الله عنهما - عندما استخلف على الناس: (اعلم أن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدَّى الفريضة) .
والإنسان - أخي - لا يولَد عالمًا، وإنما العلم بالتعلم، والصبر بالتصبر، والحلم بالتحلم، ومن يتحرَّ الخير يُعطَه، ومن يتوقَّ الشر يوقه.
وقد رأينا نماذج عديدة لأناس اندفعوا بحماس شديد في طريق الهداية، لكنهم لم يثبِّتوا أقدامهم على الطريق، فكان أن عادوا من حيث أتوا - وقانا الله وإياك ذلك - أو فترت همتهم بعد حين.
وفي الحديث: (إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك) رواه أحمد بسند صحيح.
أي أن العمل له فترة اندفاع، يبلغ فيها ذروته، ثم يعتريه فتور بعد الاندفاع، لكن هذا الفتور ينبغي أن يكون في حدود الهدي النبوي العظيم، وإلا ضل صاحبه، (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) .
لذلك - أخي الكريم - أرجو أن تكون حماستك المحمودة ورغبتك القوية في أن تستدرك ما فاتك وتستقيم على طريق الله، أرجو أن يعقبها سير هادئ متزن في طريق الله، تثبت به الأقدام على طريق الهداية، ويستنير فيه العقل والقلب، وتكون بمشيئة الله سبحانه من دعاته العاملين الثابتين على طريق الهداية.
أما بالنسبة لتساؤلك عن قول الله سبحانه: (إن الله لا يغفر أن يُشرَك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يُشرِك بالله فقد ضل ضلالاً بعيدًا) ، وقوله عز وجل: (إنه من يُشرك بالله فقد حرَّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) ، فالمعني أخي الكريم أن الذي يموت على الشرك - والعياذ بالله - قد حُرِم من ولوج هذا الباب العظيم، وهو وقوعه تحت رحمة الله في الآخرة، وحُرمت عليه الجنة ومأواه النار.
أما أن الله لا يغفر الشرك ويغفر ما دون ذلك، أي أن الإنسان ما لم يمت على الشرك بل مات موحدًا على ملة الإسلام، فهو في مشيئة الله سبحانه بالنسبة لذنوبه التي ارتكبها، إن شاء سبحانه عذَّبه عليها، وإن شاء غفرها له بفضله سبحانه، وفيه يقول صلى الله عليه وسلم (من أصاب من ذلك شيئًا فعوقِب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، و إن شاء عفا عنه) متفق عليه.
أي أن من ارتكب ما يوجب معاقبته في الدنيا ووقعت عليه العقوبة فهي كفارة له، أي لا يُعذَّب بهذا الجُرْم في الآخرة.
ومن ارتكب ما يوجب الحد ولكنه لم يُقَم عليه، وظل ذنبه مستورًا عن العباد فهو في الآخرة تحت مشيئته سبحانه، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له ذلك إذا مات على ملة التوحيد.
أماتنا الله وإياك على ملة التوحيد، وجمعنا في فردوسه الأعلى.. آمين.
أريد منكم أن ترشدوني إلى الأسلوب الأفضل لدعوة ملحد، وما الذي أحتاجه حتى أؤثر فيه أو أقنعه؟
يقول الشيخ عماد أبو الرب، إمام المركز الإسلامي في كييف:
أخي الكريم؛
إن التعامل مع الملحدين بهدف دعوتهم تحتاج إلى معرفة بعض الأسس، حتى يستطيع المسلم المتصدي لهذا الأمر أن يحفظ نفسه من الزلل في شبهاتهم من ناحية، وأن يعرف مداخل التأثير فيهم من ناحية أخرى.
وللإفادة أضع بين يديك -أخي الحبيب- هذه المعلومات المختصرة حول الإلحاد، لتكون ركائز لك لتبني عليها وتضيف، حتى نصل معًا إلى دعوة الآخر بعلم وفهم وحكمة:
* تعريف الإلحاد:
الإلحاد هو مذهب فئة أنكرت وجود الله وما آمنت به، وهو صديق الجهل كما قيل: (الإلحاد صديق الجهل) ؛ وهناك ملحدون لا يعترفون بإله لهذا الكون لأنهم لا يرونه، فهم لا يؤمنون بشيء غير محسوس!! رغم أن العقل البشري يعلم أن حواسنا قاصرة عن معرفة أو إثبات وجود كل شيء، ولهذا صحّ ما قال البعض عن الإلحاد: أنه عدم العلم.. لا العلم.