فهرس الكتاب

الصفحة 1926 من 27364

المخرج من فِتنتَي التغريب والتخريب

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3400)

عبد الرحمن السديس إمام الحرم

مكة المكرمة

المسجد الحرام

الخطبة الأولى

أمّا بعد: فأوصيكم ـ عبادَ الله ـ ونفسي بتقوَى الله عزّ وجلّ، فهي سبيل أهلِ الرشاد، وخير زادٍ يبلِّغ لرضا ربِّ العِباد، فتزوّدوا منها ليومِ المعاد، واغتنِموا أيامَ العُمر قبل النفاد، وشمِّروا في تحقيقها عن ساعِد الجدِّ والاجتهاد، واحذَروا مسالكَ أهل الغيِّ والفسادِ وطرُقَ أهل الباطل والضلال والعِناد، تدخلوا جنَّةً لا يخفى نعيمُها على كلِّ رائحٍ وغاد.

أيّها المسلمون، في زَحمةِ الأحداثِ وتسارُع المتغيِّرات وفي خِضمّ تداعياتِ النوازلِ والمستجِدّات وكثرة الأطروحات والتحليلات يَلحظُ المتأمِّلُ الغيورُ غيابًا أو تغييبًا للرؤية الشرعيّة والنظر في فقه السّنَنِ الكونية والاستقراء التّام للأحوال التأريخية والحضارية، حتّى حصل من جرَّاءِ ذلك زللُ أقدام وخَطَلُ أقلام وضلالُ أفهام وتشويشٌ وحيرة عند كثيرٍ من أهل الإسلام وخلطٌ في الأوراق لدى كثير من أرباب الفِكر والثقافة ووسائل الإعلام، ممّا يؤكِّد أهمّيّة المرجعيّة الموحَّدة للأمّة الواحدة، ترتكز في تحقيق أهدافها على الخيّرة صحَّة المعتقد وسلامةِ المنهَج والعناية بمصالح الأمة الكبرى ومقاصِد الشريعة العُظمى، باعتدالٍ في الرؤى وتوازُنٍ في النظر وأسلوبٍ عالٍ في الطرح والحوار، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] .

معاشرَ المسلمين، الكلُّ يدركُ ما تواجهُه أمّتُنا الإسلامية اليومَ من متغيِّراتٍ متسارعة، تضاعفت من خلالِها نُذُر الأخطارِ المتصاعدة، متغيّراتٍ وجدت فيها الأمةُ نفسَها أمامَ نظامٍ عالميّ جديد دون أن تعلمَ موقعَها فيه ومكانَها في خارطته، متغيِّراتٍ أصبحَت فيه نداءاتُ مقدَّسات المسلمين وصَرخات الأرض المباركة وأنّاتُ فلسطين واستغاثاتُ الأقصى مهدّدةً بالضياع في دهاليز التيهِ وأنفاق الظُّلمَ، وغدت حسراتُ أرض الفرات تتحشرجُ في الحلوقِ بين انعدامِ الأمن وضياع الحقوق وتطاوُلِ إرهاب الصّهاينة المعتدين لتنفيذ مؤامراتهم ضِدَّ أولَى القبلتين ومسرَى سَيّدِ الثقلين، في قفزاتٍ متسارعةٍ لتحقيق أحلامهم في إقامةِ دولتهم الكبرى بزعمهم وإقامةِ جدار الفصل العُنصُري، في إذكاءٍ لثقافةِ الصراع والعنصريّة ولغةِ الحِقد والكراهية بين الشعوب، وبدت ملامحُ التحرُّش الشَّرِس على مقدَّرات الأمّةِ وقِيَمها.

حتى بلاد الجزيرة لم تسلَم من أعمال الاستفزاز والاستهداف، فغُرِّرَ ببعض أبنائها، وأصبحوا أدواتٍ تُنفَّذ من خلالِها أعمالُ العُنف والإرهاب والتخريب والإرعاب وسلوك مسالكِ الغلوّ والتكفير والتفجير والتدمير، وآخرين يعيشون حياةَ التفريط والجفاءِ بين مطرقةِ التغريب وسِندان العولمة، في وضعٍ يمثِّل صورةً صارخةً لمقدار التبعيَّة الفكرية والانهزامية الثقافية لدَيهم، مع جرأةٍ عجيبة في المزايدةِ على الشريعة وتزييف الفِكر والوعي الذي يستمدُّ جذورَه من التنكُّر لعقيدة الأمّة ورسالتها التأريخية والسقوط في مباءات التقليدِ ومتاهات التبعيّة واجترار فكرِ الغير بانهزاميةٍ مُفرِطة، يتبعها سعيٌ حثيث لمسخ هويّة المجتمع وتغيير بنيتِه الفكرية ومنظومته الاجتماعية والطّعن في مناهجه الشرعية وأعماله الخيريّة والإغاثيّة والاحتسابيّة والتلاعُب بقضايا المرأة والحجاب، فكأنّ لهم الوصايةَ عليها والمحاماةَ عنها وهم داؤها لا دواؤها، وجعلِها شمّاعةً يعلِّقون من خلالها ما يرومون من انسلاخٍ عقديّ وفكريٍّ للأمّة وحلٍّ للنسيج الاجتماعيّ المتميِّز فيها، في مشروعَاتِ التغيير وأُطروحات التنوير والتطوير التي يُقصَد بها النيلُ من ثوابتِ الأمة وتغييبُ ثقافتها الشرعية، وهذا الأمرُ ليس بدعًا من الظواهر المعاصرة، فلم يزل أحفادُ عبد الله بن أُبيّ عليهم من الله ما يستحقّون يظهرون ويَتَجدّدون في كلّ زمان، ويلبسون لكلِّ عصر لبوسَه، تختلفُ قوالبُهم، وتتَّحِد قلوبُهم في شرخِ عقيدة الأمّة وإغراق سفينتها، وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [محمد:30] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت