فهرس الكتاب

الصفحة 1927 من 27364

أمّةَ الإسلام، وإنّ أخشى ما يُخشى أن تشهدَ المرحلة القادمةُ حَربًا ضروسًا على القِيَم الدينيّة والثوابت الشرعية، وسيسقُط القناع ويُماط اللِّثام عن حقيقة ثقافةِ هؤلاء وجذور أولئك، كما يُخشَى أن يكون كلٌّ من تيّار الغلوّ والغلو المضادّ أداةً طيِّعة للأعداءِ المتربِّصين في اختراق سفينة الأمّة وتسويق مشروعاتهم الفكرية والاجتماعية وبسطِ نفوذهم على مراكز الرأي والتأثير في الأمّة تحت مسمِّياتٍ برّاقة وشِعاراتٍ خلاَّبة تجعل التدمير والتفجير شهادةً وجهادًا، كما تجعل الفسادَ إصلاحًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12] .

ولهذا فإنّ استبانةَ سبيل هؤلاء وأولئك ورصدَ توجُّهاتهم عن طريقِ دراساتٍ واستراتيجيّات تزيل الشُّبَه عن الأجيال اللاحقة يُعَدُّ حفاظًا على الفكر الوسطيّ المعتدِل أمام معاوِل الهدم والتخريب التي تحاول إسقاطَه؛ إما بالتفريط والجفاء أو الإفراط والغلوّ، ممّا يؤكِّد ضرورةَ حماية الأمنِ الفكريّ في الأمّة بتحقيق التعاون بين الجهات العِلميّة والبحثيّة والشرعيّة والأمنيّة والإعلاميّة والتربويّة لصدِّ العدوان الشَّرِس الذي يستهدف بلادَنا في عقيدتها وأمنها وفكرها واقتصادها، لا بدّ من تجفيف منابعِ الإرهاب بنوعَيه والغلوّ والتطرّف بشِقَّيه، وذلك ليس مجرَّدَ ترَفٍ علميٍّ وإعلاميّ، بل هو من الضرورات المهمّة والأولويات الأكيدة التي تحافظ على سفينة الأمّة لتمخر عُبابَها أمام أمواجِ المِحَن وتلاطُم الفِتن؛ لتصلَ إلى برّ الأمان وشاطئ السلامة والاطمئنان، وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55] .

إخوةَ الإيمان، والسؤالُ المطروح بإلحاح إزاءَ هذه الأوضاع المزرِية هو: كيف نتجاوز سلبياتِ هذه المرحلة ونُعاودُ البناءَ والإعمار؟ أوَلسنا خيرَ أمّةٍ أُخرِجت للناس؟! أوَلسنا أمّةَ الشهادةِ على العالمين؟! أوَلسنا الموعودين بالنصر والتمكين؟! ألم يئن الأوان لتحويل هذه السُّنن الشرعيّة إلى واقعٍ حضاريٍّ فعّال؟! فنحن أمّةٌ لا تعرف التلاشيَ والسُّقوط، ولا يتطرّق إليها اليأسُ والقنوط، فسرعانَ ما تكبو تنهض وتعلو.

إنّه مِن خِلال الوعي بهذه الحقيقةِ بتجديد الثقةِ بالله وقرب نصرِه، ثم إعادة الثقةِ بالنفس وبثِّ أخلاقيات الأمل والتفاؤل والتحصُّن بالرّشد والاعتدال المطلوب للخروج من مرحلة الضّياع التي تكاد تعصِف بالأمَّة خارجَ دائرة العالم الحضاريّة، وبذلك يجتمع الشّتات ويُلَمّ الشّعث وتُسوَّى الصفوف لتصوغَ الأمةَ في كيان واحدٍ كبير وإن تعدَّدت منه الأطياف، لتُكرَّس للتعاوُن والتكاتُف والتكامل، لا للخصام والجفاء والتقاتُل، في توظيفٍ للطاقات وتنميةٍ للقدرات في عصرِ القوى الكبرى والتكتُّلات العُظمى، لتستوعب طاقاتِ الأمّة عامّة والشباب خاصّة وتصفّ نظامَها وتضبطَ عطاءها وتستثمرَ جهودَها على أحسن وجوهِ الانتفاع للبلاد والعباد.

وإنّ أحدًا لا يرضى أن تبقى الأمةُ مفرّقةً لا جامعَ له، تتخبّط في مواطنِ الفتن وتخوض في مواضع المِحَن وتسبح في بحرٍ متلاطِم بلا رُبّانٍ مَهَرة، بل أحيانًا بلا سفينةٍ صالحة، فكيف يكون هذا حالَ أمّةٍ أمرها الله بالتوحيد والوحدة؟! وما الذي يمنع الصفوفَ من التراسّ والمواقف من الاجتماع ونحن أمّةُ الأخوّة والوئام والتكاتُف والتعاون والالتئام والتلاحُم والاعتصام؟! إنّنا نريد أن نتجاوزَ مرحلةَ التأطير والتنظير إلى محطّةٍ من التحرُّك والإيجابية والتفعيل، انطلاقًا من رؤًى شرعية لا تروم المستحيلَ ولا تجافي الواقع، ولكنها تهدف إلى معالجة الأمور على ضوء المقاصدِ الشرعية والضوابط المرعيّة.

إنّ مرجعيَّةً تُعنَى بالقواعدِ والأصول وإن اختلفتِ الفروع وتهتمّ بالكليات وإن تنوّعت الجزئيات وتُعنى بالثوابت والنتائج والمحكَمات وإن تباينتِ الوسائل والمقدّمات والاجتهادات لهي الفريضةُ الأمَل والمخرجُ الصائب والبلسمُ الناجع والتِّرياق المصَفَّى الذي يقضي على الآراءِ الآحاديّة والفتاوى الفرديّة والنظريّات أحاديّة الجانب، ويجتثّ آراءَ الرويبضةِ ممّن يتكلّمون في أمور الشريعة ويخوضون في أمورِ الحلال والحرام وهم ليسوا منها في وِردٍ ولا صَدَر، عبرَ إثاراتٍ صحفية وتلاسُنٍ إعلاميّ فضائيّ مُسطَّح، جرَّ الأمةَ إلى هوّةٍ سحيقةٍ من الفرقة والشتات في الرأي والعَجز والوهَن في المواقف.

إنّه لا اعتصامَ للأمة ولا اجتماعَ ولا امتناع إلا إذا احتمَت بسياج المرجعيّة المعتبرة من الولاية المسلمة والعلماء الربّانيين، فلا بدّ من هبَّةٍ للدين وقومةٍ لله مَثنى وفُرادى، ثم تفكُّرٍ في أساليب وطرائق الصلاح والإصلاح، في صرحٍ من التلاحُم في القلوب قبل القوالب، لا تُميِّلها الرياح، ولا تزعزِعها الأعاصير، ولا تنال منها المعاوِل، بل تضربُ بجذورها وتقوم على أصولها وتُؤتي أكُلُها كلَّ حينٍ بإذن ربِّها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت