فهرس الكتاب

الصفحة 1928 من 27364

فيا كلَّ مسلمٍ غيور، ويا كلَّ عبدٍ موحِّدٍ، ويا أيّها القادة المسلمون والعلماء المخلصون والدعاةُ الصادقون والشباب الصالحون، لنبادِر جميعًا بوضع البنية التحتيّة وحجَر الزاوية الأرضيّة في سبيل نُصرة دين الله، معتصمين بشرعه، مدركين أنه لا حولَ لنا ولا قوّةَ إلا به، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولن ندركَ غاياتنا إلا بهدايتِه، ولن نُحقِّق أهدافنا إلا بتوفيقه ومعونتِه، ولن نخرجَ من المحَنِ والبلايا والنوازل والرزايَا إلا بإعزازِ دينِه والغَيرةِ على محارمِه وتحكيم شريعتِه والوقوف في صفِّ دعاته، فلا موضعَ بعدَ اليوم للتحيُّز والانفِصام، فضلاً عن المناطحة والصِّدام. وإنّ مخالفةَ الجماعةِ والانطلاقَ من رؤًى ضيّقةٍ من التحيُّز والتحزُّب والإعجاب بالرأي وتسفيه الآخر مؤدّاهُ لا مَحالةَ إلى الفشلِ الذَّريع. وإنَّ حقًّا على جميعِ شرائِح الأمّة وأطيافِ المجتمع أن تتحلَّى بالصّدق في الانتماء لدِينها وعقيدتها وغَيرتها على أمنِ بلادها ووطنها، فلم يعُد الأمرُ محتمِلاً للتَّمحُّلات والأساليب الإعلامية المستهلَكة، كما لم يعُد مجالٌ للسكوت والتغاضي والتصنُّع والمجامَلة أمام كلِّ فِكرٍ دخيل ومنهَج وافدٍ هزيل.

إنّنا مُطالبون جميعًا كلٌّ في ثغرِه ودائرةِ اختصاصه ـ في المسجدِ والأسرة والبيتِ والمدرسة ووسائل الإعلام وقنواتِ التربية والتوجيه ـ بتحرِّي الصدقِ مع الله في خدمةِ عقيدتنا والدّفاع عن بلادنا، بعيدًا عن المصالح الحزبيّة الضيّقة والمكاسِب الدِّعائية المحدودة، وأن ننَزِّه مقاصِدَنا وألسنتَنا وأقلامنا عن تلك الأساليب الممجوجة التي تعُجّ بها بعض الدواوين والصحُف والقنوات الفضائية والشبكات المعلوماتية والأروقة الانتهازيّة والنفعية، فإنه لم يعُد ثَمَّ مجالٌ لغير الصدق مع الله أوّلاً، ثم مع الرعاةِ ثانيًا، والرعيّة ثالثًا، وأمّتِنا الإسلامية رابعًا، وخامسًا المجتمعات الإنسانية والعالمية التي ترقُب حضارتَنا وتتطلَّع إلى محاسِن ديننا وصلاحِ شريعتنا ونُبل قيَمنا، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21] .

إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88] .

بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعني وإياكم بما فيه من الهدَى والبيان، ورزقنا التمسّك بسنّة المصطفى من ولدِ عدنان. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمدُ لله المرجوِّ عفوُه وثوابه، والمخوفُ مكرُه وعقابُه، أحمده تعالى وأشكره، غمَر قلوبَ أوليائه برَوح رجائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، منّ على عباده بجزيلِ نعمائه وفَيضِ آلائه، وأشهد أنّ نبيّنا محمّدًا عبد الله ورسوله سيّد أنبيائه، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابِه وأصفيائه، وسلّم تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعد: فاتقوا الله عباد الله، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281] .

واعلموا أنّ أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمّد ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وعليكم بالجماعة فإنّ يدَ الله مع الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.

أيّها الإخوة الأحبّة في الله، ها قد انقشعَت بفضلِ الله ومَنِّه سحائبُ الفتنةِ التي مرّت على بلادنا حرسها الله، وتساقطت رموزُ الفتنةِ بحمد الله كما يتساقُط ورقُ الخريف، فهلاّ شكرنا المنعِمَ المتفضِّل سبحانه عند تجدُّد النّعَم وتبدُّدِ النِّقَم؟! هلا تفقّهنا في النصوص ووقفنا بحزمٍ مع النفوس في مراجعاتٍ صادِقة ومحاسباتٍ دقيقة، في تجاوزٍ لمرحلة التشفّي والشَّجب والاستنكار إلى وضعِ الخُطَط والبرامجِ للعمَل والحوار حتى لا يُلدَغَ المؤمِن مِن جحرٍ مرتين؟!

ألا ما أَحوجَ الأمّةَ إلى فِقهِ السّياسة الشّرعيّة على وفق فهمِ الصّحابة الأبرار والسّلَفِ الأخيار، لا على وفق المشاعِر والانفعالات، مع التأكيد على وجوبِ الأخذ بالنصوص متكاملةً وضبط المصطلحاتِ الشرعية على وَفق السّلف رحمهم الله، وأن لا نسنحَ للحماس المتدفّق والعواطِف المشبوبَة أن تجرَّنا إلى شطَطٍ في الفهم وهوًى في الرأي واتخاذ المواقف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت