وإلى الذين تشبَّعوا في الفِكر التغريبيّ والفكر التكفيريّ، إلى هؤلاء وأولئك أن يراجعوا أنفسَهم، وأن يصدروا عن علمائهم، فذلك خيرٌ وأجدَى من أن يظلَّ الإنسان أسيرَ فكرةٍ محدودةٍ أو رأيٍ مجرَّد، وليعلموا أنّ المراجعاتِ سنّةٌ محمودةٌ وطريقة مشهودةٌ، سلكها أهل العلم والفضل والبصيرة منذ صَدر التاريخ، فكيف بمن هو دونهم؟! فهلا اعتبرنا بجماعاتٍ اتّخذت ثقافةَ العُنفِ والتغريبِ مسلكًا، فدخَلت نفقًا مظلِمًا، وكان عاقبة أمرها خسرًا، ثمّ أعلنت بعدَ ذلك تراجُعَها وأسَفَها لذلك الخلَلِ الفكريّ والانحراف المنهجيّ، فهل نستنبِتُ بعدهم في بلادٍ اختصَّها الله بخصائصَ ليست لغيرها مآسيَ وفواجع قد أثمرت ثمارَها المرّة عند غيرنا؟! أوَليس السعيد من وُعِط بغيره؟!
إنّنا نذكِّر من هذا المنبر العالميّ المبارَك الذين لا زالوا يهُمّون أو حتى يتعاطفون أو يسكتون أمام هذه الأفكار الضالة إفراطًا أو تفريطًا أن يعلَموا أيَّ جنايةٍ يجنونها في حقِّ دينهم وأمّتهم وبلادهم، ولذا فإنّ المراجعات واتهامَ الرأي في هذه القضايا العامّة والخطيرة ضرورة قُصوى، فوالله لأن يرجعَ المسلم إلى حقّ ترَكه مهما وصفه الواصفون خيرٌ له من أن يلقَى الله غدًا وقد تلطّخت صفحتُه بدمٍ حَرام سفكَه في غير حِلِّه أو سار على ما لم يَسِر عليه سلفنا الصالح.
لقد تكرّم ولاةُ الأمر بفرصةٍ كافيَة للعفو والمراجعة، وتلك مكرُمة ومنقبةٌ للعُظماء عبرَ التاريخ، فما ملك الأحرارَ كالعفوِ عنهم، فاستجاب من استجاب، وحقُّه علينا الإشَادةُ والتأييد وشفاعةُ الأمةِ أن يجدَ العفو والأمان والصفحَ والغُفران، أمّا من كابر وأصرَّ على ضلالِه فإنما يجني على نفسِه وأُسرته ومجتمعه، وسيجد مغبّةَ استكبارِه عن الحقّ ونتيجةَ إصرارِه على الباطل، فيُندمُ حيثُ لاتَ ساعةَ مندَم، اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً [فاطر:43] .
وإنَّ الأملَ في شبابنا وأبنائنا وَهم ولله الحمد والمنّة محلُّ فخارِنا واعتزازنا أن يتبيَّنوا قُدّامَهم محلَّ وقع أقدامِهم، وأن يحذروا من وسائل الإثارة والاستفزاز مهما كان مروِّجوها، ولتهنأ بلادُ الحرمين الشريفين حرسَها الله دائمًا بالأمن والأمان والخير والسلامة والاطمئنان، في بُعدٍ عن أسباب الفِتَن وبواعث المِحَن، وما ذلك على الله بعزيز.
ألا وصلِّوا وسلِّموا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية وهادي البشرية كما أمركم بذلك ربّكم جل وعلا، فقال تعالى قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على سيّد الأوّلين والآخرين وخاتم الأنبياء وأشرف المرسلين نبيّنا محمد بن عبد الله وعلى آله الطيّبين الطّاهرين...