فهرس الكتاب

الصفحة 1932 من 27364

يقول (روفائيل باتاي) أستاذ علم الإنسان في (دوبسيي كوليج) بفيلاديلفيا وجامعة كولومبيا في الخمسينيات من هذا القرن:

«... بينما تكشف لنا البدايات التقنية للتغريب عن هذا النجاح العالمي الذي حققته ، تأتي هناك عوامل أخرى أبرزها (نظام الهيبة الجديد) الذي تسرب الغربيون عن طريقه إلى قطاعات الناس المختلفة ، وتمكنوا من السيطرة والرقابة على الوظائف المهمة ، وفرضوا أنفسهم على النظام الاجتماعي ، وظهروا للناس على أنهم هم الأسمى وهم الطبقة العليا.

ليس من السهل أن نحلل المكونات المتعددة التي تصنع الهيبة الغربية ، لقد كان عنصر القوة هو العنصر الأكثر أهمية في أيام الاستعمار الأوربي ، إلا أن هذا العنصر قد استبدل الآن بمزيج متعدد المكونات: مثل الثروة ، وتملك الآلات والمعدات الغربية ذات الهيبة ، أو المعرفة الخاصة في ميادين ذات أهمية متزايدة كالطب والزراعة وغيرهما ، وشغل مراكز تحظى بالثقة والنفوذ تمنحها الحكومات المحلية للغربيين ، والسماح لهم بالحضور الحر في مناسبات معينة مثلما يسمح تماماً وبدرجة متساوية للقيادات العليا في الدولة. إن الهالة والهيبة التي تحيط بالغربي غلفت ثقافته تماماً ، فأصبح اكتساب الثقافة الغربية نتيجة لذلك هدفاً مرغوباً فيه اجتماعياً يفوق بدرجة كبيرة الانتفاع المعترف به لمنتجات هذه الثقافة».

وفي معرض حديثه عن تخلي المسلمين عن مناهجهم التقليدية في الطب واتباعهم لمناهج الطب الحديث يقول (باتاي) في وثيقته:

«إن البحث في الأسباب التي أدت إلى التغيرات في الاتجاهات العقلية التي سادت منذ قرون ، لا يجعلنا نرد هذه التغيرات العقلية إلى الاهتداء المفاجئ إلى التفكير الأكثر عقلانية ولكن إلى (الميل للغرب) .. من أين أتى هذا الميل؟!

تكمن الإجابة على هذا السؤال في هذه الهيبة للغربيين وثقافتهم ، إن الهيبة التي يتمتع بها كل شيء غربي في عيون شعوب الشرق الأوسط أوجد فيهم نزوعاً إلى محاكاة كل الطرق الغربية ، إنه أدى إلى رغبة خانعة ليس فقط في الحصول على المعدات الغربية ، ولكن رغبة في تقليد السلوك والاتجاهات الغربية كذلك. لقد قبل الطب الغربي ليس لأنه أظهر أفضلية ولكن لأنه طب غربي ، تبنى سكان الشرق الأوسط ازدراء الغرب للممارسات السحرية وغير العلمية ، ليس لأن ذلك له قيمة فحسب ، ولكن لأنه أمر مؤكد جاء به الغرب (المهاب) ».

وعن (اللامبالاة) وعدم الاكتراث بالدين التي قلد فيها المسلمون الغرب يقول (باتاي) :

«... وهنا ظهر على المسرح (الغربي) المحمل بالهيبة والذي يحتل وضعاً أعلى ويحمل ثقافة تستحضر الرغبة في محاكاتها: أن هؤلاء الأجانب لا ينتمون فقط إلى دين مختلف ، ولكن اتجاهاتهم نحو دينهم المسيحي كانت فاترة فكان من الطبيعي أن يقلد هؤلاء المعجبون بالطرق الغربية من مجموع ما قلدوه الفتور نحو الدين واللامبالاة به ، فأظهروا عدم الاهتمام بدينهم هم» .

ثانيا علمنة الأسرة:

ينظر الغربيون إلى الأسرة المسلمة على أنها أسرة ممتدة ، والأسرة الممتدة في المصطلحات الغربية هي الأسرة التي تتكون بنائياً من ثلاثة أجيال أو أكثر ، وتضم الأجداد وأبناءهم غير المتزوجين والمتزوجين (أو بناتهم) وتضم أحفادهم كذلك.

سعى الغربيون نحو علمنة الأسرة المسلمة، وإلى أن تكون الأسرة الغربية وأشكالها الاجتماعية هي النموذج الجديد الذي يجب على المسلمين الاقتداء به. عمل الغرب على فصل الأسرة المسلمة عن الدين ، وذلك بكسر قبضة الدين من تلك الأسرة الممتدة وتقليص اعتماد الفرد عليها ، والقضاء على تكامله معها وتدمير سلطة الأب على أولاده ، وانفلات الأبناء من الأسرة ؛ حتى ينفلتوا من الجو الديني العام الذي يحيط بالأسرة ، والنظر إلى كل ذلك على أنه ماضٍ يجب أن يرفض.

يقول (باتاي) :

«في الوقت الذي كان فيه التأثير المباشر للبعثات التنصيرية على الحياة الدينية في الشرق الأوسط تافهاً ، تميز الغرب بموقفه البارد تجاه الدين لأن الدين في الشرق الأوسط في ظل الظروف التقليدية هو طريقة كلية للحياة: التنظيمات المهنية هي تنظيمات دينية ، ارتداء الزي المحلي أمر يقره الدين الطب والتعليم مهنتان دينيتان ، سلطة الدولة نفسها تقوم على الدين، ليس هناك ترتيب هرمي في الإسلام كما هو في الكنائس المسيحية، وليس هناك قسيس أيضاً ، العديد من سكان الحضر منتظمون في دوائر دينية ، والكثير من العائلات سواء أكانت في الريف أو الحضر تحظى بتأييد المؤسسات الدينية ، أما أكثر المؤسسات التي تمسك بقبضتها على الفرد فهي الأسرة الممتدة ، اعتماد الفرد على أسرته وتكامله معها مسألة عالية الأهمية في ثقافة الشرق الأوسط إلى درجة أنها تعد ثقافة القرابة، الأسرة هنا مؤسسة دينية يعضدها الدين ، أي أن الدين يعضد الأسرة ، وهي بدورها تعضد الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت