ولما جاء التغريب أحدث انهياراً في السلطة الأبوية ، وحطم الأسرة الممتدة وغيّر نظام الاقتصاد العائلي بسبب حركة الهجرة من القرية إلى المدينة إلى نظام اقتصادي يقوم على علاقات غيرشخصية ، أصبحت الأسرة الغربية وأشكالها الاجتماعية نموذجاً يحتذى به بين الطبقات العليا والوسطى ، ولم يترتب على هذه الأمور مجرد تغير جوهري في طبيعة الحياة الأسرية ذاتها فقط ، وإنما ترتب عليها أهم من ذلك كله وهو (علمنة الأسرة) وابتعادها عن الدين ، فحينما ينفلت الشاب من قبضة أسرته كان يخلف وراءه هذا الجو الديني الهام الذي كان يحيط به فيصبح رفضه لهذا الجو جزءاً من رفضه للماضي ، ولهذه الأسرة التي تحكم قبضتها عليه.
ثالثا الحياد الموجه للمشروعات الاقتصادية والفنية الغربية:
هناك الكثير من المشروعات الاقتصادية والفنية الغربية العاملة في البلاد الإسلامية مهمتها الأساسية استنزاف خيراتها وربطها بالغرب،ولقد حرص الغربيون وهم يدخلون هذا الواقع الجديد إلينا هذه المشروعات على تجنب الخوض المباشر في أي موضوعات تتعلق بالعقيدة الإسلامية ، وتركوا هذه المهمة للبعثات التنصيرية بالرغم من تسليمهم بمحدودية عائدها وللشيوعية لكنهم أي الغربيين أولوا الشيوعية اهتماماً وثقلاً أكبر ، فهي في نظرهم التهديد الحقيقي الخطر على عقيدة المسلمين الذي يمكن أن يطيح بتوازنهم الاجتماعي الثقافي ، وقد تركزت الجهود على إقناع المسلمين بأن الشيوعية لا تتطابق مع الإسلام فقط بل إنها التعبير الحقيقي للشكل النقي من الإسلام في أصوله الأولى! ولا يهم هنا أن يكون نظام الحكم القائم في بلاد المسلمين شيوعياً بقدر ما يهم تدمير بنائهم الاجتماعي الثقافي الكلي.
يقول (با تاي) :
«تميز مدخل الغرب في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة بصفة خاصة بالاعتناء الشديد بتجنب الخوض في أي قضايا أيديولوجية ، والتركيز على الناحية الفنية فقط بالنسبة للمشروعات الاقتصادية والفنية وما هو على شاكلتها ، دخلت هذه المشروعات إلى الشرق الأوسط عبر الولايات المتحدة والأمم المتحدة ومعها توجيه أساس بعدم التدخل في القيم والأيديولوجيات الخاصة بالبلاد.
لكن الأمر يختلف بالنسبة للبعثات التنصيرية ، فليس أمر الكف عن التدخل الأيديولوجي موضع حرية اختيار هنا ، إلا أنه يجب أن يوضع في الاعتبار رد فعل المجتمع الإسلامي للمحاولات المكشوفة لتنصيره ، لقد نجحت البعثات التنصيرية في علاج عشرات الآلاف من المسلمين ، كما علمت الآلاف من مرضى الأطفال المسلمين ، وربما أثرت بسلوكياتها ومثلها على النظرة الأخلاقية للعديد من المسلمين، ورغم ذلك فإن الذين تحولوا إلى النصرانية قلة قليلة. إن الدين في الشرق الأوسط يشغل وضعاً محورياً في بنائه ؛ ولهذا يعتبر التنصير عند المسلمين ردة يترتب عليها أن ينفصل المسلم إذا تنصر عن الأسرة والمجتمع والقيم الثقافية ويتعرض لنبذ أصدقائه والمحيطين به ، وأهم من ذلك كله أن اعتناق الإسلام اعتقاداً ثابتاً لا يهتز والنظرة إليه على أنه الدين الحقيقي يعني أن الردة عنه غباء كامل.
رابعا تغريب النخبة:
عمد الغرب بهذا الواقع الجديد إلى ضرب التوازن المستقر الذي أوجده الإسلام بين طبقات المجتمع المختلفة وإلى تمزيق الشرايين الحيوية التي تجري بين الطبقات العليا والدنيا وإيجاد تناقضات بينها ، إلى أن ينتهي الأمر بأن تنظر الطبقة العليا إلى الطبقة الدنيا على أنها جماعة من المتخلفين البدائيين الذين يمثلون ما يسميه الغرب «بالوجه الفقير لثقافة الإسلام التقليدية» .
وحتى تتسع الهوة بين هاتين الفئتين عمد الغرب إلى ما يلي:
1-تغريب واحتضان الطبقة العليا التي تملك المال الوفير والفرص المتاحة للسفر والاتصال بالغرب وشراء منتجاته وتبني نمط حياته ، ثم استغلال الدافع الكامن عند الطبقة الدنيا التي تسعى إلى تسلق السلم الاجتماعي لتكون قريبة من الطبقة العليا بإتاحة الفرصة لها لاكتساب الخاصية التي تفردت بها هذه الأخيرة.
2-تدمير الجسر الثقافي الذي يربط بين الفئتين السابقتين بتحويل الطبقة العليا إلى جماعة من المستهلكين الشرهين لكل ما هو مستورد وقادم من الغرب ، بعد أن كانت هذه الطبقة تستخدم أحسن وأجمل وأفضل القوى الثقافية المتوافرة في الأرض الإسلامية ، لقد كان هذا الاستخدام في حد ذاته أساساً من أسس توحد الطبقة العليا في المجتمع مع باقي الطبقات.