فهرس الكتاب

الصفحة 19450 من 27364

هذا هو حال البشرية قبل البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .

وأقول: ومن المهم ونحن ندرس السيرة أو نعرضها على الناس أن نوضح حال البشرية قبل البعثة المحمدية ، وذلك لأن فريقا من عبّاد الصليب اليوم يقولون بأن البشرية كانت في أوج حضارتها ثم جاء العرب ـ يعنون المسلمين ـ وهدموا هذه الحضارة . فكان لا بد من التعريج على حال البشرية قبل البعثة المحمدية لبيان أي حضارة هذه التي كانت قبل الإسلام وهدمها الإسلام ؟!!

وبيان أي حضارة أقامها الإسلام ، وبيان كيف أن الإسلام كان نورا ورحمة من الله للبشرية لمن آمن منها ولمن كفر .

وهناك فريق آخر أخبث من هذا الفريق ، يتكلم بأنها كانت حركة سياسية كغيرها من الحركات ويعرض السيرة النبوية من هذا القبيل ، وأن الفتوحات ما هي إلا أحد أشكال الاحتلال ، وأنه هبت ثورات فيما بعد لمقاومة هذا الاحتلال49 ورفع الظلم عن الناس . ويذهب يقرأ السيرة النبوية وتاريخ الخلافاء الراشدين ، والسلف الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ بهذه الخلفية 50.

.ونحتاج إلى طرح للسيرة النبوية يبين أن الدعوة ما كانت أبدا قرشية أو عربية ، ولم تكن الحركات التي ظهرت في التاريخ الإسلامي وخاصة الفرق التي ظهرت في القرون الأولى حركات شعوبية ـ باستثناء حركة الزنوج والتي لم تستمر ولم تترك أي أثر فكري أو منهجي في حياة الناس ـ ضد العرب بل كانت حركات عقدية منحرفة ، وكان رؤوسها عرب وسبب نشأتها خلافات دينية51 .

وهذا الطرح لا بد أن يعمل على ربط العقيدة الصحيحة . . . وأهداف الدعوة الكلية التي هي تعبيد الناس لله ونشر العدل بين الناس بأحداث السيرة النبوية .

وهذا يستلزم قراء جديدة للسيرة النبوية ، ولعل فيما يأتي مزيد بيان

سابعا: طبيعة الخطاب الدعوي في مكة ـ وحدة الأهداف والمنطلقات ـ

في الجاهلية الأولى كان المال دولة بين الأغنياء ... قِلَّة غنية وكَثرة بالكاد تجد قوت يومها .

وفي الجاهلية الأولى كانت الحروب تأكل الرجال على ناقة أو لأن فرسا سبقت أختها .!

وفي الجاهلية الأولى كان الزنا وكانت الخمر وكان وأد البنات وبيع الأحرار .

وفي الجاهلية الأولى كان الشرك الأكبر ( شرك النسك وشرك الطاعة ) ... تُدعى الأصنام من دون الله ويُنذر لها ويُذبح عندها ، وكان شرك الطاعة ... يُشَرِّع الملأ52 ويتَّبِع العوام .

ولم تخل الجاهلية من المصلحين ، الذين يسعون في إصلاح ذات البين وحقن الدماء ورفع الظلم عن الضعفاء .

وحين بعث رسول ا صلى الله عليه وسلم لم يضع يده في يد أحد من هؤلاء ألبته .

بكلمات أُخَر:

رُغم أن الدعوة الإسلامية كانت تدعوا لمثل ما كان يدعو إليه كثير من المصلحين من مكارم الأخلاق إلا أنها لم تضع يدها في يد أحد من هؤلاء .

ذلك لأنه وإن اتحدت الأهداف فإن المنطلقات متغايرة . فهؤلاء دوافعهم شتى .. تدفعهم المروءة ويدفعهم الثناء الحسن ويدفعهم عرف الآباء ، أما المسلمون فيدفعهم طاعة الله ورسوله ـ ولا ينبغي أن يكون لهم دافع غير ذلك ـ .

وهؤلاء تقف أهدافهم عند إصلاح الدنيا ؛ والمسلمون يصلحون الدنيا للآخرة .

وشتان .

ومن يتدبر أحداث السيرة النبوية وما كان يَتَنَزَلُ في بداية البعثة يجد أن الدعوة الإسلامية بدأت بتعريف الناس بربهم .. بأسمائه وصفاته وآثار ذلك في مخلوقاته .. كيف أنه الحي القيوم الرحيم الرحمن ذي الجلال والإكرام مالك الملك القريب المجيب .. الخ ، ثم بترسيخ نظرية الثواب والعقاب وذلك بتعريفهم بالجنة ( دار الثواب ) وبالنار ( دار العقاب ) ، وقُصَّ عليهم خبر من سبقوا ، مَن أطاعوا منهم كيف كانت عاقبتهم ومن عصوا منهم ماذا فعل الله بهم . واقرءوا ما نزل من القرآن في مكة ، وكذا الخطاب الدعوي في مكة المكرمة 53.

ثم جاءت التشريعات باسم الله الذي عرفوه بأسمائه وصفاته وبَيْنَ يدي الثواب والعقاب .

فمثلا قيل لهم: الله ـ الذي عرفوه ـ يأمركم بالصلاة ، ومن فعل فله الجنة ـ التي عرفوها ـ ومن عصى فله النار ـ التي عرفوها ـ .

والله الذي عرفتموه يأمركم بالزكاة ومن أطاع فثوابه الجنة التي عرفتموها ، ومن عصى فله النار التي عرفتموها .

لذا استقامت النفوس محبه ورهبة لله وخوفا من النار وطمعا في الجنة .

وبهذا يتضح منطلق الدعوة الإسلامية وهدفها ، وهو تعبيد الناس لله ... تعريفهم بربهم ليعظموه ويوقروه ويسبحوه ، وإصلاح الدنيا يجيء تبعا وليس أصلا ، ثم الفوز بالجنة .

ولهذا لم يرتدَّ من أسلم ، ولم يتلكأ في سَيْرِهِ إلى الله .

وعلى من يعرض السيرة النبوية على الناس ــ أو يقرؤها ـ عليه أن يلتفت لهذا . وأن يتنبه إلى أن الخطاب الدعوي كان في الأساس أخروي تنطلق منه باقي شؤون الحياة .

وفي بيعة العقبة الثانية وغيرها من أحداث العهد المكي دليل على ذلك54 .

وأزيد الأمر بيانا فأقول:

نعم . في العهد المكي كانت الدعوة الإسلامية في خطابها الموجه للجاهلية يومها ، كانت مصرة على أن تبدأ من اليوم الآخر ترغيبا وترهيبا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت