فهرس الكتاب
ومن فضّلِة القول أن الرسول صلى الله عليه وسلم بُعث للناس كافة ، وأن نور الإسلام أضاء جنبات المعمورة كلها بعد قرن من وفاته صلى الله عليه وسلم .
إخواني الكرام !
لم يكن حال البشرية خارج الجزيرة العربية خير من حالها في الجزيرة العربية ، لا في الناحية الدينية ولا في الناحية الاجتماعية ،ولا في الناحية الاقتصادية . لم تكن البشرية قبل صلى الله عليه وسلم ، تعرف أيا من أنواع التكريم للإنسان ، وإن كان هنا رقيا ماديا إلا أنها لم تستفد منه بسبب ترك هدى الله عز وجل .
في الفرس:
كانت المحرمات النسبية التي تعارف على حرمتها أهل الأقاليم المتواضعة موضع خلاف ونقاش عندهم ، حتى أن يزدجر الثاني الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوج بنته ، ثم قتلها ، وبهرام جوبين الذي تملك في القرن السادس الميلادي كان متزوجا أخته .
ولم يكن هذا معصية عندهم بل كان قربة يتقربون به إلى الله .!! 47
وفيهم ظهرت دعوة ( ماني ) التي تدعو إلى العزوبية وترك الزواج استعجالا لفناء البشرية ، ومع أن صاحب هذه الدعوة قتل إلا أن دعوته ظل لها أنصار إلى ما بعد الفتح الإسلامي .
وفيهم ظهرت دعوة ( مزدك ) التي دعت إلى أن يكون الناس سواء في كل شيء ، في الأموال وفي النساء ، ولاقت هذه الدعوى رواجا كبيرا ، حتى صاروا لا يعرف الرجل ولده ولا المولود أباه .
وكان الأكاسرة يدَّعون أنهم يجري في عروقهم دمّ إلهي ، وكان الناس ينظرون إليهم كآلهة ويعتقدون أن في طبيعتهم شيئا علويا مقدسا ، فلا يجري اسمهم على لسانهم ، ولا يجلسون في مجالسهم ، وليس لأحد حق عليهم ،وأن ما يعطونه لأحد إنما هو صدقه وتكرم من غير استحقاق ، وليس للناس قبلهم إلا السمع والطاعة .
ودون ذلك كان المجتمع قائما على الطبقية المؤسسة على اعتبار الحرفة والنسب ، وكان من قواعد السياسة أن يقنع كل واحد بمركزه الذي منحه نسبه ، ولم يكن يسمح لأحد أن يتخذ حرفة غير الحرفة التي خلقه الله لها ، ولم يكن الملوك يولُّون وضيعا وظيفة من وظائفهم .
ثم هم جميعهم ـ أهل ـ فارس كانوا ينظرون إلى الأمم الأخرى نظرة ازدراء وامتهان ، ويلقبونها بألقاب فيها احتقار وسخرية ، ويرون أن بهم ما ليس بغيرهم من أسباب الرفعة والعلو ، وأن الله قد خصَّهم بمواهب ومِنَح لم يشرك فيها معهم أحدا .
وفي ناحية الشعائر التعبدية ، كانت الديانة عندهم هي عبادة النار ، والنار لا توحي لعبادها بشريعة ولا ترسل رسولا ولا تتدخل في شئون حياتهم ، لذا أصبحت الديانة عند المجوس عبارة عن طقوس يؤدونها في أماكن خاصة وأوقات خاصة ، أما في أمورهم فكانوا أحرارا يسيرون على أهوائهم ، أو ما يؤدي إليه تفكيرهم ، أو ما توحي به مصالحهم ومنافعهم .
وفي الهند والصين كانت البوذية ، وهي ديانة أرضية تدعو إلى قمع شهوات النفس وترك الدنيا وما فيها ثم تحولت إلى الوثنية بعد أن عبدت بوذا ، وتسرب إلى مناهج العبادة السحر والأوهام . وكانت الآلهة متعددة حتى أصحبت المعادن كالذهب والفضة آلهة ، والحيوانات آلهة والأجرام الفلكية آلهة ، وبعض الأشخاص التاريخية آلهة . . . الخ .
وكانت ذات الطبقية موجودة أيضا .
أما اليهودية فلم تكن تصلح لحمل مشعل الحضارة للبشرية ، فقد تحولت لديانة مرتبطة بالجنس ، لا ترى عليها في الأمم الأخرى من سبيل ، فلم تكن لدى اليهود نيّة لهداية البشرية وإنما للنيل منها ، وتحقيق أطماعهم على حساب الآخرين .
والمسيحية ديانة لم تعرف التطبيق في أرض الواقع ، فلم تكن المسيحية في عهدها الأول من التفصيل والوضوح ومعالجة مسائل الإنسان ، بحيث تقوم عليها حضارة أو تسير في ضوئها دولة ، ثم جاءها ( شاؤول اليهودي ) المعروف بـ ( بولس الرسول ) فطمس نورها وطعمها بخرافات الجاهلية التي انتقل منها والوثنية الرومية التي نشأ عليها ، وقضى قسطنطين على البقية الباقية ، حتى أصبحت النصرانية مزيجا من الخرافات اليونانية ، والوثنية الرومية ، والأفلاطونية المصرية والرهبانية ، كما يقول صاحب كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين .
وأصبحت بعد زيادات المحرفين وتأويل الجاهلين ، تحُولُ بين الإنسان والعلم والفكر ، وأصبحت على مَر العصور ديانة وثنية يقدس أهلها القديسين والصور المعلقة في الكنائس . حتى أن أصحابها الأوائل لو بعثوا لما استطاعوا التعرف على شي من ديانتهم .
وحدث أن انقسم النصارى إلى ما يعرف اليوم بالكاثوليك و الأرثوذكس تبعا لاختلافهم في طبيعة المسيح عليه السلام48 ، وكان مذهب الدولة هو المذهب الكاثوليكي . وقاموا باضطهاد من خالفهم المذهب ، فرجالٌ كانوا يُعَذَّبُون ثم يقتلون غرقا ، ورجال كانوا يُشْعِلُون فيهم النار وهم أحياء موثقون ، و غير ذلك من الفظائع .
وكانت ذات الطبقية الموجودة في غيرهم موجودة فيهم ، فكانت بعض الممالك تزرع وتحصد ، وتحمل زرعها على دوابها وأكتافها لخزينة الدولة .
وانتشرت الرشوة والفساد الإداري في الدولة ، والفساد الخلقي بين عوام الناس .
وباقي الشعوب الوثنية في أفريقيا كانت تعيش عيشة أقرب للبهيمية منها للإنسانية .