فهرس الكتاب

الصفحة 19452 من 27364

وحينها . . . حين يتعرفون على ربهم جيدا ، حين يعرفون مصيرهم بعد الموت ، لن تجد كثير مشاغبة في الامتثال للأمر .

ودعني أوسع الأمر أكثر من هذا وأقول:

لم لا نبدأ مخاطبة ( الآخر ) 69 بالتوحيد نقول لهم: آمنوا بربكم الذي خلقكم ورزقكم وأحياكم ويميتكم ثم يحاسبكم ؟

لم لا ننادي فيهم: أسلموا قبل أن تكونوا من جثي جهنم التي وصْفُها كذا وكذا ؟

أسلموا كي لا تحرموا جنة فيها وفيها ...؟

ويدور الحوار حول دلائل صدق الخبر ومَطْلَبْ المخبر صلى الله عليه وسلم

أسذاجة ؟

لا وربي .فهكذا نشأت خير أمّة أخرجت للناس ، واقرءوا السيرة .

وعلى من يشرح السيرة النبوية للناس عليه أن يوضح ذلك لهم ، من خلال مواقف الدعوة في العهد المكي والعهد المدني ، ومنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة ، وبما كان يخاطب الناس ، وكيف كان يعلمهم التوحيد ويربيهم عليه .

نعم . نحن بحاجة إلى قراءة جديدة للسيرة النبوية نبين فيها للناس أهداف الدعوة الإسلامية ومنطلقاتها ... نحتاج هذا الطرح الفكري اليوم أكثر من أي يوم مضى .

فقد قامت اليوم بعض الفصائل الإسلامية بالتحالف مع الأحزاب ذات التوجهات اليسارية ،و توجهت إلى الجماهير بخطاب دنيوي بحت ونادت بشرع الله من باب الأفضلية ... لأنه خير من غيره ، أو لأنه هو الأنسب لإصلاح الدنيا ، فيُقْبِل من يُقبل وليس عنده هدف سوى ما فهمه من هذا الخطاب الدعوي المنقوص .

واليوم رفعت بعض الفصائل المجاهدة الشعارات الوطنية وراحت تثني على الزعامات العلمانية بدعوى لمِّ شمل أبناء الوطن الواحد ، وهؤلاء وأولئك نحسن الظن بهم ولكن خطاب كهذا تضيع به الأهداف الحقيقية للدعوة الإسلامية أو تتميع في أحسن الأحوال ، ولست اغمز أحدا ـ معاذ الله ـ وإنما أنصح بما أراه صحيحا .

.أقول: لا بد من المفاصلة الفكرية70 التي يتميز بها سبيل المؤمنين من سبيل الكافرين والمنافقين . وتعرف العامة أين هي؟ وتمضي بوضوح في طريق الله المستقيم . تماما كما بدأت الدعوة في مكة بين ظهراني قريش على يد الحبيب r.

كانت بينة المعالم ، صريحة جدا في معاني الشرك والكفر ، ومآل الكافرين والمشركين ، وإن كانت في النواحي الحركية تتخذ مراحل عدة ، فتهادن قوما وتحارب آخرين ، وتسكت عن أشياء اتباعا لسنة التدرج في التغيير .

ثامنا: أساس الخلاف بين الرسالة والجاهلية.

أقول ـ مستعينا بالله ـ: كل رسالة واجهت مجتمعا مستمسكا بمجموعة من القيم والأعراف والتقاليد الخاطئة التي تصفها الرسالة بأنها كفر بالله .

جُملةُ هذه التقاليد تقوم على نوعين من الخطأ:

أولهما: التقرب والتوجه إلى غير الله بالنسك .

ثانيهما: الطاعة والتشريع والإتباع من دون الله .

ويتحرك هذا المجتمع بإرادة واعية أو غير واعية للمحافظة على وجوده ضد دعوات الرسل ، وفي التنزيل (قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ) 71 ،

وفي التنزيل: (قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) 72 ، وفي التنزيل" (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) 73"

ومن يتدبر يجد أن شرك الطاعة هو أساس شرك النسك ، فلولا طاعة عمرو بن لحي ـ مثلا ـ لما عُبدت الأصنام في جزيرة العرب .

ولولا طاعة كل قوم لكبرائهم لما ضل مًن ضل (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) 74 ونجد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة حصر لمفهوم العبادة في الطاعة .

قال تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) 75

وعبادة الشيطان هي طاعته 76

وقال تعالى (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) 77

سمع عدي بن حاتم الطائي ـ رضي الله عنه هذه الآية من رسول ا صلى الله عليه وسلم ـ فاعترض قائلا: ( إِنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوهُمْ ) فَقَالَ صلى الله عليه وسلم ( بَلَى إِنَّهُمْ حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ الْحَلَال وَأَحَلُّوا لَهُمْ الْحَرَام فَاتَّبَعُوهُمْ فَذَلِكَ عِبَادَتهمْ إِيَّاهُمْ )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت