فهرس الكتاب

الصفحة 19453 من 27364

يقول بن كثير: قَالَ حُذَيْفَة بْن الْيَمَان وَعَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَغَيْرهمَا فِي تَفْسِير"اِتَّخَذُوا أَحْبَارهمْ وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا مِنْ دُون اللَّه"إنَّهُمْ اِتَّبَعُوهُمْ فِيمَا حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا وَقَالَ السُّدِّيّ اِسْتَنْصَحُوا الرِّجَال وَنَبَذُوا كِتَاب اللَّه وَرَاء ظُهُورهمْ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى"وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا"أَيْ الَّذِي إِذَا حَرَّمَ الشَّيْء فَهُوَ الْحَرَام وَمَا حَلَّلَهُ فَهُوَ الْحَلَال وَمَا شَرَعَهُ اُتُّبِعَ .

فسمَّ الله ورسوله الإتباع في التحليل والتحريم عبادة ، كما سمى المحللين والمحرمين ـ المشرعين آلهة ـ .

ومثل هذا قول الله تعالى:"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"78

وهذا المعنى هو الذي فهمه الصحابة رضوان الله عليهم ، فهذا ربعي بن عامر79 ـ رضي الله عنه ـ يخاطب رستم"الله ابتعثنا ، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"ثم لم تكن الدعوة قرشية أو عربية ، ولم تكن الحركات التي ظهرت في التاريخ الإسلامي وخاصة الفرق التي ظهرت في القرون الأولى حركات شعوبية ـ باستثناء حركة الزنوج ـ ضد العرب بل كانت حركات عقدية منحرفة ، وكان رؤوسها عرب وسبب نشأتها خلافات دينية .

وهذا الطرح لا بد أن يعمل على ربط العقيدة الصحيحة . . . وأهداف الدعوة الكلية التي هي تعبيد الناس لله ، بأحداث السيرة .

والخلل الملحوظ الذي كتبتُ من أجله هذه الفقرة هو أن كثيرا من الكتاب والخطباء الذين يكتبون السيرة النبوية أو يلقون فيها دروسا ، يحصرون قضية الخلاف بين الجاهلية والدعوة في عبادة الأصنام وبعض القضايا الأخلاقية مثل تحريم الزنا وشرب الخمر ووأد البنات ،وأن الغزوات كانت لمعالجة مشاكل الجوار ولأمور اقتصادية ونحو ذلك وهو من البتر الذي لا يُقبل بحال.

والمراد: أنه حين دراسة السيرة النبوية أو عرضها على الناس لا يفهم أبد ا أن الخلاف بين الدعوة والجاهلية القائمة كان في بعض العادات الجاهلية السيئة مثل وأد البنات والزنا وشرب الخمر ورفع الظلم عن الضعفاء ، وبعض مظاهر شرك النسك من عبادة الأصنام والاستقسام بالأزلام ... الخ .

وإنما كانت ولا زالت القضية الكبرى التي انبثقت منها باقي القضايا هي قضية الطاعة لمن؟ ، أو السلطان يكون لمن ؟ أو بتعبير آخر من تعبد ؟ الله في صورة شرعة ؟ أم الشيطان في صورة المناهج الأرضية التي زينها لأوليائه ؟

فمن عبد الأصنام إنما عبدها طاعة للأولياء الشيطان ، ومن اعتقد التثليث وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك طاعة لأولياء الشيطان ، قصد أم لم يقصد .

تاسعا: الملأ ودورهم البارز في التصدي للدعوة:

الملأ هم: أَشْرافُ القوم ووجُوهُهم ورؤَساؤهم ومُقَدَّمُوهم، الذي يُرْجَع إِلى قولهم . وفي الحديث: هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الملأُ الأَعْلى؟80

والملأ من الكفار لهم دور بارز في تسير الأحداث ، ولا بد من الوقوف على دورهم وإبرازه للناس . إذ هم موجودون مع الباطل في كل مكان وزمان .

ومن خلال قراءتي للسيرة النبوية وما استمعت إليه من شبهات ، من الضالين من أهل الكتاب ، ومن المنحرفين من أهل الملة . . ( القرآنيون ) و ( العلمانييون ) ، يمكنني القول أن الدعوة لا تواجه شبهات حقيقية وإنما تواجه مجموعة من الناس ـ هم الملأ ـ يعرفون الدعوة تماما ، وهم يكذبون على قومهم ويرهبونهم تارة ويرغبونهم تارة من أجل صدهم عن سبيل الله .

والآن أذكر بعض المشاهد من السيرة النبوية ومن أحوال الأمم السابقة أوضح بها قولي .

الوليد بن المغيرة يجلس بين قومه يصف القرآن بعدما سمعه: إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه ، فيصيح القوم: صبأ الوليد ، ويقوم إليه شيطانهم أبو جهل ويهمس في أذنيه بكلمات ثم يعود ثانية إلى مجلسه .

وأقبل الوليد على القوم بوجهه ، وظن القوم أن الوليد سيقف موقف الداعي لهذا الدين الجديد ؛ فالأمر ليس ببعيد ؛ فمِن قَبْله عَدَا عمر إلى رسول ا صلى الله عليه وسلم ليقتله ، وعاد من عنده مسلماً ، ولكن الوليد خيّب ظنهم فلم يكن إقباله عليهم إقبال المخلص الداعي لهذا الدين الجديد بل كان المخلص الداعي لدينهم .

ويتكلم الوليد .. يصيح فيهم بأن قولوا في الرجل قولةً واحدةً .. ولا تختلفوا حتى لا يظهر كذبكم .

ويعرض القوم آراءهم: نقول ساحر .. نقول شاعر .. نقول كاهن .. نقول كاذب .. والوليد لا يجد الوصف مناسباً فيردّه .

ويُسند إليه الأمر: قُل أنت يا أبا عمارة نسمع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت