فهرس الكتاب
وأحيانا يستعمل الشرع الألفاظ بذات الدلالة اللغوية لها ، فمثلا كلمة الأذان التي تكلمنا عنها ، جاءت بمعناها اللغوي في القرآن الكريم"فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء ، وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون"100. فآذنتكم هنا بمعنى أعلمتكم ، استخدمت بمعناها اللغوي .
وقول الله تعالى"فأذنوا بحرب من الله"أي كونوا على علم . أو: أعلموا كل من لم يترك الربا بحرب من الله ورسوله . 101
وكذا كلمة التيمم جاءت في سورة البقرة ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) 102 أي ولا تقصدوا الخبيث وتنفقوا منه ، .
وكلمة الصلاة ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) 103
قال بن كثر في تفسير هذه الآية ، قال البخاري: قال أبو العالية: صلاة الله تعالى ثنائه عليه ـ أي على صلى الله عليه وسلم ـ ، وصلاة الملائكة الدعاء .
والمعنى يتضح من دِلالة السياق .
والمقصود مما تقدم أن الشرع وإن كان قد استخدم اللغة العربية لبيان مراد الله من عباده على لسان رسول صلى الله عليه وسلم ، إلا أنه خصص لبعض الألفاظ حقائق شرعية فصارت دلالتها اللغوية غير دلالتها الشرعية . وإن تقاطعت المعاني وتطابقت أحيانا .104
ثانيا: خصوصية الشريعة الإسلامية في المفاهيم والتصورات .
للشريعة الإسلامية أيضا خصوصية في المفاهيم والتصورات ، ولا تكاد تجد مفهوما من المفاهيم التي تعارف عليها الناس إلا وللشريعة الإسلامية خصوصية فيه .
مثلا: مفهوم الرزق ... تحصيل الرزق . أعني تحصيل الرزق على مستوى الفرد وعلى مستوى الأمة ـ ما يقولون عنه الرقي المادي ـ ، الناس لهم أسباب مادية يسلكونها في تحصيل رزقهم .
والشرع له خصوصية في هذا الأمر ، فهو يتكلم عن أسباب أخرى مضافة إلى معالجة الأسباب المادية قال تعالى:
" ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) 105 وقال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) 106"
وقال تعالى:"ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم"107
مثال آخر: من أين يأتي البلاء ؟
الناس يقولون كلاما كثيرا . . نعرف منه وننكر .
والشرع يعطي مفهوما آخر:"وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير"108 .
( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) 109
والنصر والتمكين كيف الوصول إليه؟
: (.... وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) 110
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) 111
والأمر أوسع من هذا فهناك خصوصية في كل المفاهيم تقريبا . الكبر ... البر ... .. وفي مفهوم المعركة من حيث أسباب النصر فيها ومن حيث جنودها الذين يحضرون القتال ... الخ .
وإنما أردت هنا لفت النظر فقط .
لماذا الكلام في الخصوصية ؟
لأمور أركز على اثنين منها .
أولهما: فيه نقض لاستدلالات أصحاب الفرق الضالة .
باستقراء مناهج الفرق الضالة وخصوصا التي تكلمت في الإيمان ، أهلِ الإرجاء والاعتزال والتصوف والمتفلسفة ، تجد أن خطأ هؤلاء الرئيسي يكون في الجهل بأن للشريعة الإسلامية خصوصية في استعمال الألفاظ وفي المفاهيم والتصورات ، وبالتالي تجده يستعمل الألفاظ بمعناها اللغوي دون الحقيقة الشرعية مما يؤدي إلى الخروج بنتائج مغلوطة .
وهذا بيِّن جدا في حالة الإرجاء ، وله أمثلة كثيرة في ضلالات النصارى التي يسمونها أدلة على ألوهية المسيح في القرآن الكريم 112، وكذا في أطروحات العصرانيين .
وحيث أن المقصود هنا هو بيان القاعدة وليس مناقشة أدلة هؤلاء فإني أكتفي بمثال أبين فيه قولي ، ولعل الله أن ييسر مناقشة هؤلاء على ضوء هذه القاعدة لاحقا .
أهلُ الإرجاء ـ مثلا ـ فسروا ( الإيمان ) بمعناه اللغوي ، مدعين بأن القرآن نزل بلسان عربي مبين .استخدموا المقدمات المنطقية العقلية لإثبات باطلهم ، فقالوا القرآن نزل بلسان عربي مبين .