فهرس الكتاب

الصفحة 19457 من 27364

أليس كذلك ؟

بالطبع هو كذلك . لا أحد ينكر هذا .

ثم انتقلوا من هذه المقدمات فقالوا العرب تُعرّف لفظ الإيمان بالتصديق الخبري أو ما يقولون عنه المعرفة .إذا الإيمان هو التصديق أو المعرفة ، وذهبوا إلى النصوص وحَمَلوها حملا على القول بباطلهم ، والنصوص من جنس كلام العرب الذي ترد فيه الاحتمالات وتعدد الدلالات ، ويلجأون إلى التأويل بأدنى الحجج ، ومن شأنها أنها طَيِّعة تسير على هوى من يحملها طائعة أو مكرهة .

ونعم الشرع استعمل اللغة العربية في بيان مراد الله من عباده ولكنه خصص وأضاف ، ولا بد من الوقوف عند المعنى الشرعي وعدم تجاوزه .

والشرع لم يستخدم لفظة ( الإيمان ) بذات الدلالة اللغوية ،وإنما بدلالة أخرى كما قدمنا . وهذا أيضا فيه رد على مرجئة الفقهاء الذين قالوا بأن العمل وإن كان لا بد منه إلا أنه لا يدخل في مسمى الإيمان ذلك لأنهم اعتمدوا تفسير لفظ الإيمان بمعناه اللغوي ، ونحن نقول هناك فرق بين استعمال الشرع للفظة الإيمان واستعمال اللغة لها ولا بد من استعماله بمعناه الشرعي .

ولست هنا معنيا بمناقشة مذهب المرجئة وإنما أريد أن أنبه على أنه لا بد من الرجوع للمعنى الشرعي في تفسير معان الكلمات ، وليس الاكتفاء فقط بالمعنى اللغوي أو العرفي .

وأهلُ الكلام ... أهل التحريف والتعطيل في الأسماء والصفات ، ركب الشيطان رأسهم من باب التنزيه ، حيث قاموا ينزهون ربهم عن خلقه وعبيده ـ كما زعموا ـ فتصوروا أن التنزيه لا يكون إلا عن طريق نفي المماثلة بالكلية 113، ومن هناك راحوا يعطلون ويحرفون .

ولو أنهم عادوا إلى الشرع ، وعلموا كيف أن له خصوصية تامة في تصورات الإنسان عن خالقه ومعبوده ـ سبحانه وتعالى ـ لما كان شيء من هذا .

والأمثلة على هذه القاعدة عند العصرانيين ، وعباد الصليب أكثر وأوضح ، وفي النية استخراج بحث في هذا الشأن والله المستعان .

ثانيهما: المناعة الفكرية .

الإيمان بأن للشريعة الإسلامية خصوصية في المفاهيم والتصورات ، والاستعمالات اللغوية للألفاظ ، وأنه لا بد من الوقوف عليها ومراجعتها قبل التكلم في أي موضوع ، وكذا الإيمان بأن الدين كامل"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا". وليس فقط بل الإيمان بأن الأحكام الشرعية في غاية الحكمة ، وذلك لأنها من الله العليم الخبير الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير . وأنه يجب رد كل ما أشكل على المرء إلى الكتاب والسنة ، وأن لا يمضي في اتخاذ أحكام أو رسم تصورات قبل مراجعة أهل العلم من العلماء الربانيين كما أمر ربنا .

(وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) 114

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) 115

فهنا جعل الرد لله والرسولل شرط لصحة الإيمان . . ."فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ".

ولاحظ أن الرد ليس مقتصرا على الأمور العظام بل على كل شيء . فانظر كيف أتى التعبير بكلمة شيء التي هي نكره ، وفي سياق الشرط لتفيد العموم . فكل شيء يجب أن يرد إلى الكتاب والسنة ، ومن لا يعرف يسأل .

حين يعرف المسلم هذا الأمر تتكون عنده مناعة فكرية ، فلا يقبل كل ما يسمع بل يكون عنده خاصية الانتقاء ... القبول والرد .

ودعني أضرب الأمثال ليتضح المقال .

نجد أن كثيرا من المسلمين يردد كثيرا من الكلمات وهي بمعان مستحدثه لا نعرفها في ثقافتنا وتراثنا . بل ننكرها .

مثلا كلمة ( الحرية ) و كلمة ( المساواة ) ، تردد على لسان كثير من أبناء الأمة الإسلامية , وهي كلمات غربية بدلالات غير إسلامية . هذا أقل ما يمكن أن يقال فيها .

فـ ( الحرية ) تعني عندهم حرية المرأة في التبرج والسفور بل والعري ، ومخالطة الرجال في أماكن العمل وفي أماكن اللهو بما لا يخفى ، والحرية في مفهومهم تشمل حرية الكلمة وإن كانت سبَّا لله ورسوله وطعناً في الدين ،أو غمزا لعباد الله الموحدين .

وعندنا" (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) 116"

وعندنا"إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ"117

فالحرية لها ضوابط وحدود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت