فهرس الكتاب
و ( المساواة ) عندهم تشمل تسوية الرجل بالمرأة في كل شيء . وعندنا للمرأة ما ليس للرجل ، وللرجل ما ليس للمرأة ، وعلى كلٍ من الحقوق ما ليس على الآخر ، تبعا للاختلافات الجسمية والنفسية . ( ... وليس الذكر كالأنثى ) حِكْمة العليم الحكيم الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ،
والمساواة عندهم تعني أيضا مساواة أهل الكفر بأهل الإيمان ، وعندنا"أفنجعل المسلمين كالمجرمين . مالكم كيف تحكمون . أم لكم كتاب فيه تدرسون"؟؟!!."."
فبينهما فرق: بين معاني الألفاظ الحديثة فيما هي مستعملة اليوم فيه , ومعناها في الشرع , فرق يجب الوقوف عليه , ولا يردد هكذا دون تدبر .
فلو علموا أن هناك خصوصية للشريعة الإسلامية في المفاهيم والتصورات ، ما رددُّوا هكذا بدون وعي ، ولرجعوا إلى الشريعة الإسلامية يستنطقونها ماذا تقول في كل ما يعرض عليهم .
والمطلوب ممن يعرض السيرة النبوية على الناس ـ أو يقرأها هو ـ أن يبين هذه الخصوصية في المفاهيم والتصورات ومعاني الألفاظ وهو يعرض الغزوات مثلا ، وهو يشرح بعض مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه أو أعدائه . لتتكون مناعة فكرية عند من يسمع نحن في أمس الحاجة إليها اليوم في هذه الأيام .
حادي عشر:الدعوة الإسلامية دعوة عملية وليست مفاهيم نظرية فحسب .
من يتدبر حال النصرانية ـ مثلا ـ يجد أنها تحولت إلى مجموعة من المفاهيم النظرية التي يكفي مجرد التصديق بها للانتساب إليها ، وإذا انضم إلى هذه المفاهيم ممارسة بعض الشعائر التعبدية فإن الشخص يعتبر من المتديين .!
حتى أنك حين تستمع إلى دعوة النصرانية ـ مثلا ـ تجد أنها دعوة إلى التصديق بأمور نظرية ، مثل قضية التثليث ، وقضية الصلب والفداء ، وقداسة الباباوات . وبعض الشعائر التعبدية ، والحياة بعد ذلك تخضع لما يمليه عليهم الواقع ، أو ما يحلو لأحبارهم ورهبانهم وأرباب الرأي فيهم .
وكذا أصبحت البوذية واليهودية ، وكاد الإرجاء أن يفعلها بالدعوة الإسلامية لولا أن الله قيض لهذا الدين رجالا أحيا بهم السنة وأمات بهم البدعة .
وأعرض بعض المشاهد من السيرة النبوية ، لأبين بها أن الدين لم يكن يوما ما نظرية مجردة ولا مجادلة فكرية يُكتفي بمجرد الاقتناع بها ...
تروي لنا كتب السير أن مسلمة جلست في سوق بني قينقاع في المدينة عند صائغ يهودي فراودها عن كشف وجهها فأبت عليه ، فعقد طرف ثوبها إلى ظهرها على حين غفلة منها ، فلما قامت انكشفت سوأتها ، فضحكوا بها ، فصاحت . فوثب رجل من المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله ، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه .
هذا مشهد من المشاهد ترويه لنا كتب السيرة ، والمشهد التالي له مباشرة ـ في كتب السيرة ـ هو حصار رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني قينقاع وإصراره على ذبحهم لولا وقاحة بن سلول في شفاعته لهم .
وسقط من كل الروايات ما بين المشهدين ـ ما حدث في السوق والحصار ـ من الأحداث , كأن الحدثين متلاصقين .
فلم تروِ لنا كتب السير أن أحدا من المسلمين تكلم بأن مَن فعل الفعلة قُتل فكفّوا أيديكم يكفي . . . لا داعي للقتال الذي يتساقط فيه الرجال ، وتتيتم به الأطفال ، وتترمل به النساء .
ولم تروِ لنا كتب السير أن أحدا من المسلمين تكلم بأن الأمر لم يتجاوز كشف جزء من العورة لفترة وجيزة .
ولم تروِ لنا كتب السير أن أحدا من المسلمين تكلم بأن لبني قينقاع إخوة في الدين والملة في ذات المدينة ، هم بنو قريظة وبنو النضير وورائهم في خيبر عدد وعتاد ولهم حلفاء من غطفان ، وغطفان يومها غطفان .
بل لم يتكلم أحد مطلقا .
لم ترو كتب السيرة سوى فعل ، وهو حصار رسول ا صلى الله عليه وسلم لهم حتى أجلاهم .
وتروي لنا كتب السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب في عشرة من أصحابه لبني النضير يطلب منهم وفاء ما عاهدوه عليه ، فغدروا وهمُّوا بقتله صلى الله عليه وسلم وحين علم بغدرهم وهو جالس تحت جدار بيت من بيوتهم قام ولم يتكلم ، وأعد الجيش ولم يتمهل ، وحاصرهم حتى خربت بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ، وخرجوا منها أذلاء صاغرين .
وتروي لنا كتب السير أن الأخبار أتت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ــ بأن خالد بن سفيان الهُذلي يُجَمِّع العرب في بطن عُرْنَة عند سفح عرفة على بعد خمسمائة كيلو متر من المدينة ،فأرسل له رجلا ( عبد الله بن أُنيس ) من المدينة يسعى على قدميه فأخمد الفتنة . ولم نسمع كثيرا ولا قليلا من الكلام .
وغدرت قريش بعهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم وراحت وجاءت وقالت وأكثرت ، وما كان من الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا أن رد عليهم بفعل لا بقول . . . استنفر أصحابه وجمََََّع جيشه وفتح مكة .
وغدرت قريظة فذبحت ، وقتلت غسان رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فتحرك جيش مؤتة ، وبنو المصطلق همّوا بالتَّجَهُز فوجدوا الخيل صباحا تشرب من مائهم .
هكذا ... نعم هكذا .
لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم كثيرا . كان هادئا كثير الصمت يعمل ولا يتكلم .