فهرس الكتاب

الصفحة 19459 من 27364

ولم يكن الباعث على هذا ( التصرف الفعلي ) من الرسول صلى الله عليه وسلم هو كثرة العدد ووفرة العتاد ،فقد كانت الحال حال . . . هو منهج الدعوة من يومها الأول"أنظر كيف بدأت ،"يا أيها المدثر قم فأنذر""إن لك في النهار سبحا طويلا"."

فلم تكن فقط عملية وجادة مع المخالف وإنما أيضا في تربية الجماعة المؤمنة ، كانت الدروس كلها عملية .

يذبح سبعون من الصحابة يوم أحد منهم الحمزة بن عبد المطلب ليتعلم القوم درسا من جملة واحدة"قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم" (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ)

ويستمر حادث الإفك شهرا ليتعلم القوم درسا عمليا (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور: 15 )

ويقاطعُ المخلفون عن غزوة تبوك خمسين يوما حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ، ليتلقوا درسا عمليا ـ هم ومن يشاهدونهم ومن يسمع بهم ـ كي لا يتخلفوا ثانية عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه .

هذا حاله صلى الله عليه وسلم في التعامل مع عدوه ومع أتباعه . . . هذا هو المنهج الرباني الذي تحرك به النبي صلى الله عليه وسلم .

وإن من أوضح الأمور لمن يتدبر نشأت الجماعة المؤمنة على يد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم وكيف نمت وتطورت وكيف عالجت مشاكلها الداخلية ـ بين أفرادها ـ والخارجية مع أعدائها ، أن نهج الشرع كان عمليا ، ولم يكن يوما ما نظريا .

ومن الواضح جدا ــ أيضا ــ أن الأفراد ميزتهم المواقف ولم يتميزوا بالمعرفة الذهنية ، ولا بأصوات العامة لهم .

ولم تكن فقط عملية في الناحية العسكرية بلْ وفي النواحي الأخرى شريعية ،تُحرم الخمر فتهراق القلال في الشوارع حين سماع الخبر ، واسمع:

عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: ( مَا كَانَ لَنَا خَمْرٌ غَيْرُ فَضِيخِكُمْ هَذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخَ فَإِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَفُلَانًا وَفُلَانًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ وَهَلْ بَلَغَكُمْ الْخَبَرُ فَقَالُوا وَمَا ذَاكَ قَالَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ قَالُوا أَهْرِقْ هَذِهِ الْقِلَالَ يَا أَنَسُ قَالَ فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلَا رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ ) 118

ونزلت آية الحجاب ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) فشقَّ النساء مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بها .

ويأتي الأمر بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة ، فيستدير الناس وهم ركوع .

فقد كانت الدعوة عملية ، تتطالب كل من آمن بها بالالتزام العملي الجاد بشرائعها وشعائرها .

ففي أحداث السيرة النبوية بيان قوي لبطلان قول من أراد أن يجعل الدين مجرد مفاهيم نظرية يعتقدها ويتكلم بها دون أن يلتزم بها . فردا كان أم مجتمعا .

وفي سِيرةِ مَنْ تخلف عن الهجرة إلى المدينة وقعد بمكة وقتل يوم بدر ردٌ قوي على هؤلاء ، ونزل فيهم قول الله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً ) 119

ومن نزل فيهم قول الله تعالى: ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) 120

ودعك من أهل الإرجاء فالظاهرة عامة . . . العقيدة دروس علمية . . نظرية فقط ، لا تكاد تعرف ( الأخ ) إلا من كلامه ، قليل من تتعرف عليهم من وجوههم وأفعالهم .

واليوم شعارات نرفعها وننام تحتها ، مكتفين بمجرد الانتساب للعمل الإسلامي .

واليوم شعارات نرفعها ونتعصب لها .

والمطلوب حين عرض السيرة النبوية على الناس أن ينبه على هذا الأمر ، وأن نقف مع الأحداث نبين كيف كانت الدعوة جادة ، ولم تكن يوما ما مفاهيم نظرية فقط .

وأن المفاهيم الإسلامية ما جاءت إلا لتنشئ واقعا ... إلا لتترجم على أرض الواقع .

والله أسال أن يبارك لي في كلماتي وأن ينفع بها من كتب ومن نشر ومن قرأ .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الفهرس

مقدمة الكاتب وتشمل بيان أهمية وضع ضوابط للسيرة النبوية

أولا: لماذا ندرس السيرة النبوية؟!

ثانيا: السيرة النبوية وصحة المصادر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت