فهرس الكتاب
ومما يدل على ذلك أن وسائل الإعلام المذكورة لا تكاد تذكر مجاهدي الفلبين المتمسكين بالإسلام، وهم الذين تضمهم جبهة تحرير مورو الإسلامية التي تدعو إلى تحرير جنوب الفلبين وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فيه، ويرأسها الشيخ سلامت هاشم الأزهري، ولكن تلك الأجهزة تهتم بجبهة تحرير مورو الوطنية التي يرأسها نور مسواري (ياسر جنوب الفلبين!) ، وهو يتقرب إلى الحكومة النصرانية في الفلبين ويريد أن يعقد صلحا معها [3] على أساس علماني وعلى حساب الجبهة المجاهدة، ولا تجد هذا الإعلام دائما-إلا في حالات استثنائية مؤقتة لغرض خاص-في صف الإسلام ودعاته، وإنما يكون ضد الإسلام وضد دعاته في صف عدوه من اليهود والنصارى والوثنيين والأمثلة على ذلك لا تحصى كثرة، وما على من يريد التأكد من ذلك إلا أن يشاهد ويسمع ويقرأ ما تيسر له من وسائل الإعلام.
المظهر السادس: تقليد أجهزة الإعلام الأجنبية، في المصطلحات.
ومن تلك المظاهر تقليد أجهزة الإعلام التابعة للدول الحاكمة للشعوب الإسلامية لأجهزة الإعلام النصرانية واليهودية والشيوعية، والوثنية في الغرب أو الشرق، في إدخال المصطلحات التي ترددها هذه الأجهزة الكافرة ضد الإسلام والمسلمين في قاموس تلك الأجهزة الإعلامية المقلِّدة.
مصطلح الأصولية.
ومن ذلك مصطلح: (الأصولية [4] ) التي تطلق في الغرب على فئة معينة من النصارى البروتستانت، الذين يتمسكون بظواهر نصوص محرفة تمسكا جامدا، ويحكمون على كل من يخالف ظواهر نصوصهم تلك من النصوص المحرفة أيضا عند الفئات النصرانية الأخرى بأنهم على باطل، وأن الحق هو ظواهر نصوصهم المحرفة فقط، ويقفون موقفا متشددا ضد كل من يخالفهم، ويتسم تشددهم بالعنف.
هذا المعنى المولود في الغرب أطلقه أعداء الإسلام من اليهود والنصارى على كل من تمسك بالإسلام تمسكا صحيحا ودعا إليه، وهو-بهذا المعنى-إطلاق ظالم جائر، لا أصل له في القاموس الإسلامي، بل إن كلمة (أصول) في الشريعة الإسلامية تطلق على علم يروض العقل على البحث والاستنباط، انطلاقا من قواعد يندر وجود مثلها في أي دين أو أي علم عند غير المسلمين، إنه علم أصول الفقه الذي هو ميزان دقيق يضبط منهج الفقيه في استنباط الأحكام، ويعصمه من الزلل في اجتهاده، يعلم ذلك كله من له إلمام بهذا العلم العظيم من المسلمين وغيرهم، ولذلك تطلق كلمة:"أصولي"على المتخصص في هذا العلم، وجمعه:"أصوليون"والذي يتقن هذا العلم يصول ويجول في ميدان الفقه المستنبط من القرآن والسنة وهو متحرر العقل من التقليد الأعمى، عارف أين يضع قدمه آمن من المزا لق التي يقع فيها من يجهل هذا العلم، مقدر للمصالح الراجحة والمفاسد حق قدرها، ويكفي من أراد الوقوف على حقيقة ذلك قراءة جزء من المقاصد من كتاب"الموافقات"للإمام الشاطبي رحمه الله، هذا هو الأصولي عند المسلمين.
وقد يطلق على العالم المتضلع في العقيدة (الإيمان) وقد يسمى فيلسوفا-والأصل أن يسمى حكيما-ومع ذلك أطلق أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم كلمة أصولي أو أصوليين، على علماء الإسلام وأتباعهم من المتمسكين بالدين الداعين إليه بالموعظة والحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن، كما أطلقوا على الدعوة إلى الإسلام وتطبيقه في العالم الإسلامي كلمة"أصولية"التي يعلمون أنها مصطلح غربي ينفر من يسمعه من أهل الغرب، والهدف من ذلك تلبيس الإسلام والمسلمين بثوب لم يفصل عليهما، وإنما فُصِّل على مبدأ يجافي الإسلام ويضاده وعلى فئة بعيدة كل البعد عن الجماعات الإسلامية، وذلك للتنفير من الإسلام والمسلمين والتخويف منهما والتحريش عليهما لمحاربتهما.
وقد راق هذا المصطلح لأجهزة الإعلام العلمانية في البلدان الإسلامية، فأخذوا يرددونه في وسائل إعلامهم كلها في كل مناسبة وأخذوا يطلقون هذا المصطلح ظلما وعدوانا على علماء أجلاء يستحقون أن يوصفوا بالأصوليين حسب المصطلح الإسلامي السابق الذكر، لا بحسب هذا المصطلح الغربي الظالم، كما أطلقوه على جماعات أبعد ما تكون عن هذا المعنى.
وعلى سبيل المثال نذكر حزب الرفاه الذي يرأسه المهندس"نجم الدين أربكان"والذي له فترة طويلة يزاول السياسة ويدخل في الانتخابات ويفوز بأصوات تمكنه من المشاركة في الحكم، وقد يفوز بأصوات ولا يتمكن بها من المشاركة في الحكم وهو الغالب، ولم يصدر منه شئ من الاعتداء على أحد، بل يُعتدى عليه في وسائل الإعلام ويحارَب حربا شعواء لا يحاربها حزب آخر من الأحزاب التركية المعترف بها، ومع ذلك إذا فاز ببعض البلديات المهمة ارتفعت الأصوات المعادية للإسلام واصفة له بالأصولي المتطرف، مع أن هذا الحزب لشدة اعتداله واعترافه بالقومية التركية وعزمه على نقل النافع من الحضارة المادية الغربية إلى بلاده، أخذ بعض الكتاب الذي يعترفون بوجود أصوليين في الجماعات الإسلامية بالمفهوم الغربي السابق-أخذوا يدافعون عن حزب الرفاه ويبرؤ ونه من الأصولية المذكورة [5] .