فهرس الكتاب

الصفحة 19481 من 27364

وهؤلاء الذين يحجرون على العقول من أن يصل إليها الحق في وسائل الإعلام، أو ييسرون السبل لوصول الباطل إلى تلك العقول عن طريق تلك الوسائل، هم في الحقيقة أشد خطرا على الإسلام والمسلمين من قطاع الطرق الذين يخيفون السبل ويسلبون الأموال ويزهقون الأرواح. ذلك أن قطاع الطرق يشعر الناس كلهم بخطرهم والضرر الذي ينزلونه بالناس، فيتداعى لدرء خطرهم الخاصة والعامة ويتعاون على حربهم الحكام والمحكومون، فلا يدوم خطرهم بل يزول في وقت قصير-نسبيا-أما أعداء الإسلام الذين يدأبون بالسباق إلى العقول بإبلاغ الباطل إليها وقطع الطريق على الحق من أن يصل إلى تلك العقول، فإن خطرهم لا يظهر-في أول وهلة-إلا لفئة قليلة من الناس، وهم المفكرون الإسلاميون من ذوي العلم والبصيرة، والحرص على مصالح الأمة، وهؤلاء يقف لهم أعداء الإسلام بالمرصاد مكممين أفواههم من أن تصدع بالحق وتنبه على الخطر، مكسرين أقلامهم من أن تخط كلمة تحذر الناس من شرهم وفسادهم، بل إنهم يُضَايَقُونهم في رزقهم ووظائفهم وتنقلاتهم، وقد يزج بهم في السجون والمعتقلات، وينزل بهم من التعذيب والعقاب ما لا يطاق، وقد يقتلون في سجونهم غيلة أو يحكم عليهم بالقتل ظلما وعدوانا، ويعلن للناس أنهم مجرمون، والناس لا يعلمون حقيقة الأمر، لأن عقولهم قد ضللتها أجهزة الإعلام التي هيئ لها أن تصل إلى تلك العقول.

ولا يعلم غالب الناس بخطر هؤلاء المفسدين للعقول، إلا بعد فوات الأوان، بفساد العقول وما يترتب عليه من آثار مدمرة لحياة الأمة، وهنا يكمن الخطر العظيم، كما هو واقع الأمة الإسلامية اليوم.

المظهر الثامن: قلب الحقائق التي تضلل بها الشعوب.

إن تلك الأجهزة تتعمد تضليل الشعوب الإسلامية بقلب الحقائق في كل مناهج حياتهم ومرافقها، في الشؤون السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، والعلاقات الدولية، بحيث تظهر وسائل الإعلام لتلك الشعوب صواب تدبير قادة الباطل من الطغاة المحاربين للإسلام والحق والمؤيدين للباطل، في كل تلك المناهج والمرافق، وأن الغاية من تدبيرهم وتصرفاتهم إنما هي مصلحة تلك الشعوب وعزها وسؤددها.

مع أن الواقع بخلاف ذلك-في الأغلب الأعم-إذ تكون سياستهم لشعوبهم سياسة غش وخداع، يتوسلون بها إلى ما يحقق مصالحهم الذاتية، ولو حطموا بذلك مصالح تلك الشعوب وجلبوا لها المفاسد المدمرة، من ظلم وغصب ونهب ونشر فساد وإذلال، كما يحطمون اقتصاد تلك الشعوب باستنزاف خيراتها وإنفاق أموالها فيما لا يعود عليها بفائدة، بل يعود عليها بالضرر، ويعود على أعداء الأمة الإسلامية بالفائدة، ويحملون تلك الشعوب بالديون الربوية التي تتضاعف عليها وترهقها وتجعلها خاضعة لأعدائها من اليهود والنصارى الذين يغرقونها بتلك الديون، وغالب تلك الأموال والديون يستأثر بها قادة الباطل الذين يضللون الناس بالدعايات الكاذبة التي تقلب الحقائق وتفسد العقول.

وهكذا يضللون عقول الشعوب الإسلامية بالثقافات الأجنبية التي تحارب الإسلام وتشوهه، كأفكار كثير من المستشرقين والمنصرين والملحدين، ومن يسمون بالأدباء، وكثير منهم منحلون، والعلمانيين والحداثيين والماسونيين وغيرهم من دعاة الفساد الذين تؤثرهم-غالبا-أجهزة الإعلام على من سواهم من دعاة الحق، حتى لا يسابقوهم بهذا الحق إلى عقول الناس، مع المدح المبالغ فيه لأولئك وغمز وذم هؤلاء.

أما التضليل الإعلامي للشعوب في الشؤون العسكرية فحدث عنه ولا حرج.

إن الشعوب الإسلامية عندما تسمع وترى وتقرأ الضجيج الإعلامي الذي يطري القوى العسكرية، سواء ما تعلق منها بالجنود أو المعدات، وما صرف في ذلك من أموال هائلة، ينقدح في عقولهم أن لديهم قوة عسكرية قادرة على دفع عدوان أي عدو عليها، بل ربما ظنت أكثر من ذلك أن تلك القوة قادرة على إخافة العدو وإرهابه وهو في عقر داره، تحقيقا لأمر الله تعالى بإعداد العدة التي ترهب العدو، ولكن إذا جد الجد وحان وقت العدوان على تلك الشعوب تبين لأهلها مدى تضليل عقولها من أجهزة إعلامها التي خدعتها بقلب الحقائق وكثرة الأكاذيب، وظهر لها أن الأموال الهائلة التي قيل: إنها أنفقت لتقوية جيوشها، قد ذهبت إلى خزائن أخرى لا صلة لها بتلك القوة الوهمية التي ظنوها ملجأ لهم-بعد الله-من أي عدوان خارجي، وقد لا يرون لتلك القوة من أثر إلا عندما تنزل شوارع مدنهم لضرب المعارضين من أبناء الشعوب الذين ينادون بإصلاح الأمور وتقويم السياسة المعوجة، فيذكرون عندئذٍ قول الشاعر:

أسد عليّ وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر

والخلاصة أن وسائل الإعلام تضلل العقول، وتقلب الحقائق، وتصور الحق في صورة الباطل، وتصور الباطل في صورة الحق، وتوهم الناس بأن الكذب صدق، وأن الصدق كذب، وأن الشجاعة جبن وأن الجبن شجاعة، وأن الظلم عدل، وأن العدل ظلم، وأن المصلحين مفسدون، وأن المفسدين مصلحون: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} البقرة: 11،12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت