وعلى أية حال فهذا كلّه وصف للواقع العجيب، في هذا المفهوم الغريب!
أما الإسلام فإنه...
1)يجعل الأرض تابعة للعقيدة،ولهذا يقسّم الإسلام الأرض إلى: دار إسلام، ودار كفر، فالأرض التي تعلوها أحكام الله تعالى، هي وطن لكل مسلم، إتباعاً لعقيدته، وضدها هدف للمسلمين لإعلاء كلمة الله تعالى عليها بالجهاد، فالأرض كلها لله يورثها من يشاء من عباده، وقد أمرنا أن نعلي في الأرض كلّها كلمة الله تعالى.
2)أرض المسلم الأصليّة هي الجنة، كان فيه أبونا آدم وأمّنا حواء، فأخرجتهما المعصية، ويردّ إليها وبنوه، بطاعة الله تعالى وعبادته، قال تعالى: {وقالوا الحمد للّه الّذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوّأ من الجنّة حيث نشاء فنعم أجر العاملين} ، ولهذا فحتّى ذلك الوطن، إنما يرتبط مفهومه بالعقيدة التي أصلها أنّ عبادة الله تعالى هي السبب الحقيقي لكلّ خير وفلاح في الحياة، وهي هدفها الأعظم، والضدّ بالضد.
ونحن في هذه الأرض السفلية غرباء، نقضي فيها زمنا يسيرا، لايكاد يذكر، في عمر الحياة الدنيا، أمّا في عمر الحياة الأبدية فلا شيء البتة، ثم نرجع إلى أوطاننا، وفي الحديث: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) [رواه البخاري] .
3)لما كان دين الإسلام هو الأصل، والأرض تبع، وجب على المسلم الهجرة من الأرض التي لايمكنه أن يعبد فيها ربه، ويظهر دينه، فالهجرة سنة الأنبياء، (إنّي مهاجرٌ إلى ربّي إنّه هو العزيز الحكيم) ، ولهذا هاجر صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكّة إلى حيث يقيمون دينهم، قال تعالى: {إنّ الّذين توفّاهم الملآئكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنّا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض اللّه واسعةً فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنّم وساءت مصيراً} ، وقال تعالى: {يا عبادي الّذين آمنوا إنّ أرضي واسعةٌ فإيّاي فاعبدون} .
4)تقديم حبّ الأرض أو القومية أوالعشيرة أو النظام السياسي...إلخ على نصرة الدين، شرك بالله تعالى عما يشركون وهو من شرك الأنداد، قال تعالى: {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أنداداً يحبّونهم كحبّ اللّه والّذين آمنوا أشدّ حبّاً لّلّه ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب أنّ القوّة للّه جميعاً وأنّ اللّه شديد العذاب} ، وقد بين القرآن المحابّ التي تتخذ أندادا مع الله في سورة التوبة، قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم مّن اللّه ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربّصوا حتّى يأتي اللّه بأمره واللّه لا يهدي القوم الفاسقين} .
وإلف الإنسان للأرض التي يعيش عليها أمر فطري مباح، كما يحبّ أهله، و قومه، وكراهيته التغرب عن أرضه كذلك،ولاتثريب عليه أن يتمسك بمحابه، ويدافع عنها مالم يخالف شريعة الله، غير أن كلّ محبوب للإنسان يجب أن يكون بعد حبّ الله، ورسوله، ونصر دينه.
5)أرض المسلمين ومنها التي عليها يدٌ عادية من نظام مرتد، أو كافر أصلي محتل، يجب تخليصها بالجهاد، لادفاعا عن مجرد الأرض، بل لأنها أرض المسلمين، وعن نسبتها إلى العقيدة، ولإقامة شريعة الله فيها، فهذا هو الأصل الذي يجاهد من أجله، وقتال المسلم دون أرضه التي يملكها من جنس القتال دفاعا عن ماله.
وثمة فرق كبير بين الحدود السياسية لنظام، وبين المال الخاص، والحدود السياسية الشرعية تابعة في الأصل لمفهوم سيادة الأمة بكلمة الله على الأرض، وتقسّم بناء على ذلك دار الإسلام، ودار الكفر كما بينا، وليست تابعة لسلطات الأنظمة،فالنظام يزول، أو يزال، ويأتي غيره، والأمة برسالتها باقية، وأرضها المحكوم عليها بشريعتها حق عام لها، لايملكها أحد كائنا من كان.
6)ومن قاتل لكي ينصر نظاما سياسيا لايخضع لأحكام الشرع، أودفاعا عن الحدود التي يسيطر عليها هذا النظام، فهو يقاتل تحت راية جاهلية عمياء، سواء سماه دفاعا عن الوطن والأرض وغير ذلك، ومن غرر المسلمين بأن أفتاهم بغير هذا، فقد أوردهم دكادك النار، وهو قائدهم إليها، وبئس الورد المورود.
7)جميع الحدود السياسية التي تفرّق الأمة، حدودٌ جاهلية، وجعلها أساسا لأحكام الولاء، والجهاد، والإمامة، والبيعة، ضلال مبين، وسبب في ضعف المسلمين، وتسلط الكافرين، ويجب على الأمة السعي لإزالتها، وإلى نظم الإمة في خلافة واحدة تحكمها، وترك السعي لذلك تفريط فيما هو من أعظم واجبات الدين.
أما البيعة على الإمامة...
فهي عقد شرعي، ينوب فيه الإمام عن الأمّة في تنفيذ أحكام الله، ولهذا نص الحديث: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله) [رواه البخاري] .
ولهذا مضت السنة أن ينصّ في البيعة على هذا الشرط، كما في الصحيح أيضا قول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لعثمان رضي الله عنه: (أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده) .