ويكون له مقابل قيامه بهذا الواجب الطاعة، وهو واجب الرعيّة مقابل واجب الإمام، فإن لم يأت الإمام بوفاء ما بويع عليه، فلم يقم بواجب إقامة الشرع، ونصره وحفظ الدين، ومصالح المسلمين، انفسخ العقد كسائر العقود الشرعية.
وإنما يبايعه أهل الحل والعقد، وعليهم واجب النظر في استمرار صحة البيعة، والرقابة والمحاسبة على الإمام - السلطة التنفيذية - وهذا الذي يطلق عليه في العصر نظام فصل السلطات، وهو في الأصل نظام إسلامي، هدفه ضمان بقاء الدولة في نفع الجماعة ومصلحتها العامة، ومنعها من استغلال آلة الدولة لمنفعة خاصة
وقد عطّل في البلاد الإسلامية، فأصبح الحاكم مطلق السلطة، واخضع العلماء المزيفون الناس لسلطته المطلقة بخطاب ديني مزيف ليس هو مذهب أهل السنة، وإنما مذهب الطمع والجشع، أو الخوف والجزع، فانتشر في ديار الإسلام الظلم، وانتهكت حقوق الرعية،
وأقامه غيرهم فكفوا يد البغي بينهم، وضمنت رعاياهم بقاء الدولة راعية لحاجاتهم، موفرة لمصالحهم.
ومقتضى البيعة على الكتاب والسنة أن يكون إماما للمسلمين لايفرق بينهم، لأن أساس الإمامة والدولة في الاسلام، ملّيّ قائم على الدين، بحيث يجمع المسلمين على ولاء الإسلام، وعلى إقامته، وحفظه، ونصرة المسلمين، وليس أساسه وطنياً قائما على معنى الوطنية العلماني العصري الذي يجمع المنتسبين إلى رابط الوطنية، التي تقدم على الدين، في صورة من صور الشرك والوثنية المعاصرة.
أما طرق إنعقاد البيعة فهي الاختيار والاستخلاف، ولايكون عقد البيعة شرعيا إلا بعقد أهل الحل العقد بيعة الإمامة بالشروط الشرعية، والمتغلب إن توفرت فيه الشروط بايعوه وصحت إمامته بذلك.
والإمام الواجب الطاعة في الإسلام...
هو الذي ينصبه أهل الحل والعقد، من أهل العلم، وذوي الرأي والرشد أو يستخلف ويبايعونه على أن يكون إماما للمسلمين، لايفرق بينهم، في جنس، ولا أرض، ولا قومية ولاقبليّة، ولايخضع لأحكام الكافرين، ولايدين لأحكامهم والقوانين، ولايواليهم من دون المؤمنين، بل يقطع أيديهم العادية على أرض الإسلام وأهله، وينزل بهم في ديارهم رايات الجهاد، بجيوشه وبأسه.
وقد قال الإمام أبويعلى الحنبلي في الأحكام السلطانية:(ويلزم الإمام من أمور الأمّة عشرة أشياء:
أحدها: حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة، فإن زاغ ذو شبهة عنه، بيّن له الحجة، وأوضح له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسا من الخلل، والامة ممنوعة من الزلل، [أما مسائل الإجتهاد - التعددية الثقافية - واختلاف الآراء في السياسات - التعددية السياسية - فهي في حيز المباحات ما دامت خارج دائرة الأصول المجمع عليها] [1] .
الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بينهم، حتى تظهر النصفة، فلا يتعدى ظالم، ولايضعف مظلوم.
الثالث: حماية البيضة، والذب عن الحوزة، ليتصرف الناس في المعايش، وينتشروا في الأسفار آمنين.
الرابع: إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الإنتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك، [ونصب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للأخذ على يد المفسدين، وقطع دابر المجرمين] [1] .
الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة، حتى لاتظفر الأعداء بغرة، ينهكون بها محرما، ويسفكون فيها دما لمسلم أو معاهد.
السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة، حتى يسلم أو يدخل في الذمة.
السابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا واجتهادا من غير عسف.
الثامن: تقدير العطاء، وما يستحق في بيت المال من غير سرف، ولاتقصير فيه، ودفعه في وقت لاتقديم فيه ولا تأخير.
التاسع: إستكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من الأعمال، ويكله إليهم من الأموال لتكون الأعمال مضبوطة، والأموال محفوظة.
العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال، ليهتم بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولايعول على تفويض تشاغلا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغش الناصح، وقد قال تعالى: {يا داوود إنّا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين النّاس بالحقّ ولا تتّبع الهوى فيضلّك عن سبيل اللّه إنّ الّذين يضلّون عن سبيل اللّه لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا يوم الحساب} ، فلم يقتصر سبحانه على التفويض دون المباشرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ؛"كلكم راع وكلكم مسوؤل عن رعيته".
وإذا قام الإمام بحقوق الأمة، وجب عليه حقان:الطاعة، والنصرة، مالم يوجد من جهته، ما يخرج به عن الإمامة) .
وتأمل قوله: (إذا قام الإمام بحقوق الأمة وجب عليه حقان، الطاعة، والنصرة مالم يوجد من جهته مايخرج به عن الإمامة) , فطاعة السلطة، ليست مطلقة، بل هي بعد قيامها بحقوق الأمة، فالأمة هي الأصل، فالسلطة منها وإليها، والإمام نائب أو وكيل عنها، إن أدى إليها حقها، وإلا فليس له حقوق، ولا كرامة له ولانعمة عين بعد تضييع حقوق الأمة، وأعظم حقها صيانة دينها، وحمل أمانة رسالتها الإسلامية في داخلها، وإلى خارجها.