فهرس الكتاب

الصفحة 19570 من 27364

أقول: وإيجاب الفقهاء الجهاد على أهل بلد داهمه العدو الكافر، أي: ابتداءً وبالأصالة، وإلا فأهلُ ذاك القطر ليسوا هم المعنيين وحدهم بالدفاع عنه، بل لأنهم الأولى والأقرب، فإن هم عجزوا وجب على الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، حتى يجب على الأمة كلها.

ولو فرض وجود قطر مستقل عن دولة الإسلام تعرض لمداهمة الكفار؛ لم يختلف الحكم فيه عن سابقه، ذلك أن الولاء العقدي لا يتجزأ.. (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) ) (التوبة: من الآية71) .

نعم.. قد يتفاوت المؤمنون في مقدار ما يجب لهم من الولاية، فتكون لبعضهم أكمل من بعض آخر، أو أنقص منه، ولكنها لا تنعدم ولا تنقطع بحال عن أي طائفة منهم، ولا سيما إذا تأكد ذلك بطلب النصرة في الدين، أو كان المستنصرون محصورين مقهورين، قال تعالى: (( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير ) ) (الأنفال:72) .

والدولة المحاربة لقطر مسلم؛ تصنف كذلك (محاربة) - في النظر الشرعي - لدى كل أقطار الإسلام، ولئن جاز - فرضاً - أن يكون بيننا وبين تلك الدولة معاهدات اضطرارية، فإن الضرورة لا ترخص لنا بالدخول معها في حلف ضد الدولة المسلمة، ويدخل في ذلك تحريم كل صور الإعانة لها على قتال قوم مسلمين.

على أن المعاهدات التي لا اضطرار فيها يجب أن يوقف العمل بها، وتلغى من أصلها باعتبارين:

الأول: كون هذه الدولة المعتدية المحاربة لقطر من أقطار الإسلام: هي في حكم المحاربة لأقطارها كلها، فيمتنع أن يجتمع لها الوصفان (الحرابة، والعهدية) في آن واحد.

والثاني: أن ما يجب من موالاة ونصرة للقطر الإسلامي المعتدَى عليه، يَمنع من مهادنة المعتدِي ومسالمته، ولا مجال حينئذ للمعاهدات والصلح معه.

وإليك مثلاً يُجلي لك المراد:

يُزمِع عدونا تقسيم التقسيم بـ"سايكس بيكو"جديدة، ليفتت الجزيرة العربية إلى ثلاث دول، وكذا العراق (مثلها) ، وسورية (نحوها) ، ومصر دولتين، وكذلك السودان... إلخ.

والسؤال المطروح هنا على علمائنا وقضاتنا ومرجعياتنا الفقهية:

هل يسوغ لنا شرعاً أن نتقوقع في مكة والمدينة مثلاً (وهي الدولة الدينية في التقسيم الجديد) ونخلي مسؤوليتنا من سائر أرجاء الجزيرة، ملتزمين بمعاهدات واتفاقات تبرمها الدولة العلمانية في نجد والرياض، أو الدولة الشيعية في المنطقة الشرقية، حتى وإن كانت هذه المعاهدات تقر العدوَّ على احتلال البلاد ونشر الفساد، وتطلق يده في تحكيم شرائع الضلال، وتوطين ديانات وملل باطلة، تزاحم دين الحق وملة الخليل في أرض التوحيد؟.

وإذا تصورنا العكس.. هل يجوز لنا - كمسلمين - أن نسلم مكة والمدينة للطامعين فيهما من اليهود وغيرهم، ونخذل أهليهما، ونخلي بينهم وبين عدوهم، بدعوى أن ذلك شأن مكي مدني، وأننا ملزمون بمعاهدات بيننا وبين ذاك العدو في دويلات الجزيرة الأخرى ؟!!

ولا أتصور أن يفتي - في حالة العدوان على الحرمين (لا سمح الله) - بسقوط فرض دفع الصائل عليه عن غير أهل مكة والمدينة.

ورجوعاً إلى المعاهدات والاتفاقات التي مكنت عدونا من التواجد العسكري في بلادنا، وهي اتفاقات تمت من خلف ظهور الشعوب، أو رغماً عنها.. (القواعد العسكرية - مراكز القيادة الحربية - استخدام المياه الإقليمية - والممرات البحرية والبرية - والأجواء الجوية) ..

هل يجوز منح العدو صلاحية استخدام هذا الوجود العدواني، ضمن حرب ضد بعض أقطارنا الإسلامية، تحت دعاوى العهد والاتفاق والذمة ؟!.

وعلى ضوء"سايكس بيكو"الجديدة: هل يسوغ لـ"الدويلة المصرية" (المقترحة في الجنوب) - مثلاً - الاحتجاج بهذه الاتفاقيات على جواز تمكين الأجنبي من ضرب"الدويلة المصرية"في الشمال، أو العكس ؟!.

وهل هذه الاتفاقات التي تضمنت إقرار المنكر والحرام والظلم والعدوان، والتي تمت بغير مشورة من الأمة أو من يمثلها من علمائها الثقات.. هل هذه الاتفاقات ملزمة للمسلمين؟.

على أنه لا ينبغي الخلط بين القادم إلى بلادنا بصفة شخصية ولغرض غير عدائي، وبين القادم إليها بصفة رسمية وبمقتضى الاتفاقات الظالمة المجحفة، ولأغراض تتصل بالعدوان وبالتمكين الجبري لمصالح المعتدِي.

والمؤمَّن (المستأمِن) إنما يُبذل له عهدُ الأمان على أن لا يَعتدي أو يغدرَ أو يخون، فإذا كان طالب الأمان إنما يطلبه لغرض عدواني أو عمل محرم؛ فعقد تأمينه باطل من أصله، سواء كان عدوانه على المؤمِن له (المستأمَن) ، فرداً أو جهة أو دولة، أو على غيره من المسلمين، فرداً أو جهة أو دولة.

وما من دولة كائنة في هذا المجتمع الدولي"المقنن"تسمح لمتآمر عليها - مجرد تآمر - بالدخول إلى أراضيها، بل أكثر الدول لا تمنح تأشيرات دخول إليها إلا بعد التوقيع على إقرار باحترام قوانينها، والمحافظة على أمنها وأمن شعبها وسلامة أراضيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت