فهرس الكتاب

الصفحة 19571 من 27364

وتؤكد شريعتنا الغراء على وجوب التفريق بين المحارب المباشر للعدوان (حقيقة أو حكماً) ، وبين عموم أهل ناحيته (الدولة المحاربة) في أحكام القتال، وهو تفريق شرعي مقرر معروف في أحكامنا الفقهية وسياستنا الشرعية، أي من جهة قصد غير المحاربين واستهدافهم بأعمال الحرب من عدمه، فهؤلاء الآخرون لا يقصدون.

أما العدو الغاصب المباشر للغصب فهو متلبس بالعدوان، سواء باشر الحرابة أو لم يباشرها، اغتصب بنفسه أو مكن له في الغصب.

وثم تناقض حاد يقع فيه بعضنا، وربما بحسن نية، ذلك حينما يُقَوِّم الأعمال ويحكم عليها على أساس من موازناته الخاصة (المقطوعة عن شمولية التقويم والتكييف) ، وبمقتضى ما تمليه مصالحه المحدودة، فتراه يؤيد ويعارض، ويحلل ويحرم، ويبرئ ويجرم... ويرى في الشيء الواحد - في آن واحد - رأيين متباينين متعاكسين متناقضين، تبعاً لما تمليه المصلحة لا غير!!

فينقلب غير الشرعي (جهة أو حكومة أو دولة، أو غيره) شرعياً، لا لشيء إلا لإبطال ما لا يبطل إلا بهذا الاعتبار المنقلب إليه!! ولعله لو أُنعِم النظرُ والاستدلال ما احتيج - في إبطاله - إلى هذا التعسف والتكلف.

الشأن الوحيد المستقر في ذلك كله هو المصلحة الخاصة، والاعتبار الذاتي، والمذهب المعتمد، وموقف الطائفة، والسياسة المعلنة، وتفادي التعرض لإرهاب الآخر، حسياً، أو معنوياً (فكرياً، أو دعائياً، أو لتجنب أن نُسلب اللقب الفتنة:"معتدل"أو"اعتدال") !!

إنه لا حرج على المرء في إنكار المنكر، ولكن شريطة أن يعتقده منكراً، وإلا فإنكاره لا يعدو أن يكون مسلكاً نفعياً وصولياً، وفرصة تُهتبل لأغراض سياسية، ولو بإظهار إنكار ما يَعتقدُ صوابه ويحتفل به سراً.

فها هنا أقسام ستة:

من ينكر ما يعتقد نكارته، وهو كذلك في ذات الأمر.

من ينكر ما يعتقد نكارته، وليس كذلك في ذات الأمر.

من ينكر ما لا يعتقد نكارته، وهو منكر في ذات الأمر.

من ينكر ما لا يعتقد نكارته، وليس كذلك في ذات الأمر.

من لا ينكر ما يعتقد نكارته، وهو كذلك في ذات الأمر.

من لا ينكر ما يعتقد نكارته، وليس كذلك في ذات الأمر.

وفيما عدا القسم الأول، يخطئ أصحاب الأقسام الأخرى جميعهم، إما من جهة القصد، وإما من جهة صواب المعتقد أو خطئه، وإما من الجهتين كلتيهما.

إن واجب الأمة اليوم يتمثل فيما يلي:

أولاً: إيجاد مرجعية موحدة للأمة الواحدة، تحسم خلافاتها، وتستثمر طاقاتها، وتضبط حركتها على ميزان الشرع الحنيف وقواعد المصالح الكلية الحقيقية.

ثانياً: الشروع في بناء مشروع يستوعب طاقات الأمة المهملة والمشتتة والمهدرة، ليسلكها في طريق الإيفاء بتطلعاتها.. مشروع يقترن فيه القول بالعمل، والتعليم بالتربية، والجهاد بالخلق الحسن.. مشروع يتضافر فيه عطاء الفرد مع الجماعة.. ومع الأمة كلها.

ثالثاً: تخير الأهداف (لكل مرحلة) ، وكذا الأعمال والوسائل والأساليب التي هي أقرب إلى جمع الكلمة، وأبعد عن تفرقها، وما قضى فيه الشرع قضاء فلا مجال للاختلاف عليه، ما كانت هناك مرجعية موثوق بها.

رابعاً: إذا تعين التخير بين بديلين:

أحدهما: عمل فوري محدود النتائج، يتصدى له شخص أو طائفة أو جماعة، ويُتعجل به شفاء القلب وإذهاب غيظه.

والآخر: مشروع منهجي متكامل، مرجأ الإنجاز، تتصدى له الأمة أو أغلبها، ويرجى من ورائه تحقيق تغيير شامل.. فلا ريب أن منطق العقل والحكمة يملي علينا اختيار هذا الآخر.

ولعل قلة المنجز من أعمال، ومحدودية نتائجه، وانطوائه على مفاسد ملازمة له، وهي مفاسد جسيمة غالباً، يبعد - معها - ترجيح ما يقابلها من مصالح.. لعل هذا يدل على ضعف قدراتنا - كجماعات - تعجز كل منها منفردة عن إنجاز عمل مؤثر تفوق مصالحُه مفاسدَه.

ولعله يدل - أيضاً - على مدى تأخرنا في التجمع والتحرك كأمة، وتأخرنا في استيعاب مأساة التفرق والتنازع.. (( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) ) (لأنفال: من الآية46) .

إننا بأمس الحاجة إلى مشروع جامع يوحد ولا يفرق، مشروع قادر على استيعاب حركة الأمة كطوائف وأفراد، وإن تأخرنا في إنجاز مثل هذا الأمل المنشود هو الخلل الرئيس في أزمتنا، وعلينا تقع المسؤولية الأولى فيما تجلبه الاجتهادات الخاصة والقاصرة من مفاسد.

إن الإنصاف ليقتضي أن يُنكر على المتباطئين، كما يُنْكرَ على المتعجلين..

خامساً: لكل مقام ما يلائمه، ولكل مرحلة أحكامها، والتوسط أن نكون بين الهمود والفورة، بين التباطؤ والعجلة، بين اختزال المراحل وإهدار قيمة الزمن، بين لهفة تحقيق الإنجازات والمبالغة في تقدير سوء المآلات، بين الإفراط في اليأس وإطلاق خيالات الأماني، بين التنطع في تقدير المصالح والإسراف في إسقاطها وإهمالها، بين الإغراق في التفاصيل والاكتفاء بالمُجمَلات...

سادساً: اعتماد صياغة سياسية حكيمة، تجمع ولا تفرق، أممية لا حزبية، شمولية لا تجزئ، مطيتها الموازنات الشرعية السديدة، وبُوصلتها الكتاب والسنة، وزادها الزهد والعبادة، وشعارها اتقاء الشبهات، ومسلكها ترك ما يريب، وهي بكل حال تعطي ولا تأخذ، ولا تطمع أن تأخذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت