فقوله تعالى: {وَالَّذِينَ مَعَهُ} قال المفسرون: المرسلين الذين على طريقته أو أنصاره المؤمنين الذين كانوا معه، وكلاهما صواب. وتأمل قوله سبحانه: {إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ} فهي مُواجهة ومُصارحة وخطاب مُوجه إلى عشيرتهم وأهلهم بالبراءة الواضحة المُعلنة منهم ومن معبوداتهم التي يعبدونها من دون الله. وهكذا ينبغي أن يكون كل من أراد التمسك بملة إبراهيم وسلوك طريق المرسلين.. فيتبرأ من كلِّ ما يُعبد ويُتبع من دون الله سواءً كان ذلك المعبود أوثاناً من حجر أو شجر، أو قوانين وتشريعات من وضع البشر، ولا يكفي ذلك وحده ولا يستكمل المرء به توحيده وبراءته من الشرك حتى يُضيف إليه البراءة من المشركين أنفسهم.. وتأمل قوله تعالى في الاية: {إِنَّا بُرَءَاؤُاْ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} وكيف قدّم الله البراءة من الأقوام المشركين العابدين غير الله ، على البراءة من معبوداتهم وشركياتهم لأن الأول أهم فَكَمْ مِن إنسانٍ يتبرّء من الشرك والمعبودات الباطلة ولا يتبرأ من أهلها خاصة إن كانوا من أهله وعشيرته وأهل وطنه وجنسيّته.. وأما إنْ تبرأ من المشركين فهذا يستلزم البراءة من شركياتهم غالباً... ثم أكد الله تعالى ذلك بقوله: {كَفَرْنَا بِكُمْ} وقال: { وبدا} أي ظهر وبان {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ} وتأمل تقديمه العداوة على البغضاء لأنها أظهر وأهم، فالبغضاء غالباً محلها القلب أما العداوة فإنها تستلزم أن يكون الإنسان في عُدْوَة أي: ناحيةً وجِهةً، وعَدُوَّه في عُدْوةٍ أخرى.. وهذا المَعْلَم واضح في دعوة الأنبياء جميعاً، فكما أن إبراهيم عليه السلام عادى أباه وقومه وفارقهم وتبرأ منهم لأجل توحيد الله تعالى ودينه فكذلك سائر الأنبياء كانوا يدعون أقوامهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويتبرؤون من معبوداتهم وشركياتهم ويصبرون على دعوتهم فإن أصرُّوا على شركهم وباطلهم تبرؤوا منهم وعادوهم وفارقوهم... وعلى إثرهم مضى الصالحون فها همُ الفتية أصحاب الكهف يُفارقون أقوامهم ووطنهم وعشيرتهم لأجل توحيد الله تعالى: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُواْ إِلَى الْكَهْفِ ..} [الكهف: 16] . وكذلك كان حال صلى الله عليه وسلم وصحابته فقد جاء في وصفه على لسان الملائكة في صحيح البخاري: (ومحمد فَرقٌ بين النّاس) وفي رواية (فَرَّقَ) و جاء في وصفه على لسان مشركي قريش في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح: (عاب آلهتنا وسفه أحلامنا وشتم آباءنا..) وكذلك ما قاله ورقة بن نوفل في أول مبعث النبي صلى الله عليه وسلم (يا ليْتَنِي فيها جذعاً ـ أي شاباً صغيراً لأنصرك ـ إِذْ يُخرِجُك قومكَ) قال: أَوَمُخْرِجِيَّ هُم؟ قال: (نعم، لم يأتِ رجلُ بمثل ما جِئْتَ به إلا عُودِي) .
فإن رأيت من يزعم أنه على طريقة الأنبياء والمرسلين ثم هو لا يُعادي أهل الباطل والمشركين فاضرب عنه صفحاً، فإنه لم يأتِ بمثل ما جاء به الأنبياء. وقد وصف الله كتابه الذي فَرَّق بين أهل الحق وأهل الباطل ـ وإن كانوا آباء وأبناء ـ بالفرقان، وسمّى غزوة بدر العظمى بيوم الفُرقان حيث قاتل فيها الأبناء آباءهم نصرةً لكلمة التوحيد وإعلاءً لها..
وهكذا فتوحيد ربّ العالمين هو توحيد المتقين المؤمنين يُؤلف بين قلوبهم، ويجمع بينهم في الدنيا والآخرة {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ} [المؤمنون:71] ، {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67] .
وتوحيد الوطنيين (الوثنيين) أو الوحدة الوطنية (الوثنية) تجمع بين المشركين والمرتدين والكافرين في الدنيا ثم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضاً ويتبرأ بعضهم من بعض {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْ ثَأناً مَّوَدَّةً بَيْنَكُمْ في الحَيَاةِ الْدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمأْوَاكُمُ الْنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ} [العنكبوت:25] .
وتوحيد ربّ العالمين لا يلتقي أبداً مع توحيد الوطنيين (الوثنيين) ؛ توحيد العشيرة والقبيلة ونحوه إلا في إحدى حالتين:ـ
-أن ينحرف أهل التوحيد الحق عن توحيدهم، ويتخلوا عن لوازمه التي من أوثقها الحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة فيه سبحانه.
-أو أن تبرأ العشيرة والأهل والوطن من الشرك وأهله، فيكفروا بكلّ ما يُتبع على غير بصيرة من الأديان الباطلة والشرائع والمناهج المخالفة والمناقضة لشرع الله تعالى سواءً كانت قوانين أو دساتير أو مذاهب كالديمقراطية التي هي حُكمُ الشعب وتشريعه وِفقاً للدستور، لا حكم الله وتشريعه المنزل في القرآن..