وعلى كلّ حال فمن لم يتبرأ من ذلك ويكفر به في الدنيا فسيكون أسمى أمانِيه يوم القيامة بعد فوات الأوان أن يرجع إلى الدنيا ليحقق ذلك، فيتبرأ من الشرك وأهله، ومن كلّ توحيد غير توحيد المرسلين: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة:167] .
والخلاصة: أن توحيد الوطنيين (الوثنيين) أو الوحدة الوطنية (الوثنية) التي تجمع بين الشيوعي والعلماني والنصراني، والديمقراطي، والبعثي، وساب الرب والدين، والمستهزئ بدين الله، وتألف بينهم وتجمع صفوفهم في ظل أي مصلحة مزعومة أخرى... هذا التوحيد هو توحيد الكفار، أو توحيد الطواغيت، أو توحيد المشركين، أو توحيد كفار قريش الذي كانوا يَدْعون صلى الله عليه وسلم إليه، وَيُسَاوِمونه عليه من أجل مصلحة العشيرة والقبيلة ووحدتها، ومن أجل مصلحة البلد، أو المصلحة الوطنية، لكنه أبداً لن يكون توحيد المرسلين ومحالٌ أن يكون، فتوحيد رب العالمين يُفرِّق بين أهل الحق وأهل الباطل، والوحدة الوطنية (الوثنية) تجمع وتؤاخي بينهم.. ساءَ ما يحْكُمُون..
من هذا كلّه تعلم أن المطلوب الأول من المسلم الذي يُريد تحقيق توحيده كاملاً هو البراءة من الشرك والمشركين، وإن كانوا من أقرب المقربين إليه نسباً أو موطناً، وأنَّ بدعة الوحدة الوطنية (الوثنية) التي يُشقشِق بها كثير من الناس في هذا الزمان مُنافية ومُضادة للتوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وبالتالي فلا يجوز العمل من خلالها أو تَبنِيها فضلاً عن نُصرتها وتأييدها وتدعيمها.. إلا حين يحكم الوطن ويستسلم مع أهله لشرع الله، ويبرأ من شرع الطاغوت، وحين يكفر المواطنون بكلِّ ما يُعبد من دون الله ويبرؤون من الشرك وأهله، ويحققون توحيد الأنبياء والمرسلين، عند ذلك وعنده فقط، سنكون أحرص الناس على الوحدة الوطنية، ومن أخلص جُنودها، وسنلقي بجميع الخلافات الفرعية خلف ظهورنا ما دامت هذه الوحدة قائمة على أصل سليم هو توحيد رب العالمين، والبراءة من الشرك والمشركين، ودون ذلك فسحقاً سحقاً لكلِّ وحدة تتعارض مع ملّة إبراهيم، وتوحيد الأنبياء و المرسلين.
أبو محمد عاصم المقدسي
سجن قفقفا ـ الأردن ـ
الخميس 29 جمادى الأولى 1415هـ الموافق لـ3/11/1994 م
الهوامش
(*) وجاء في جريدة الدستور في تاريخ 23/11/1994م في مقالة لموسى الكيلاني تحت عنوان: حُكماء الحركة الإسلامية الأردنية (تأكيد عبد المجيد ذنيبات المراقب العام للإخوان المسلمين على أن الإخوان سيكونوا أول من يتصدى لمن يُحاول أن يمس الوحدة الوطنية بين أبناء الشعب الواحد...) .