فهرس الكتاب
واليوم الإرجاء موجود ولكن بشكل آخر ( سلفي ) ملتزم هو بالسمت والشعائر ، ولكنه لا يرى حرجا على من ترك وبدّل أو ردَّ وعاند واستكبر ما دام ينطق بكلمة التوحيد . والموت بالزهرِ مثل الموت بالفحم . فالمحصلة واحدة بين إرجاء الأمس وإرجاء اليوم .
إرشادات لإحباط كيد المجرمين [13]
ــ غالب من يتكلم يتجه للجماهير بخطاب عام ، وهذا وحده لا يكفي .
من يتدبر في نشأة الدول ، والفرق ، يجد أن الجماهير لا تدخل مراحل الصراع الأولى ، وان الجماهير مع مَنْ غلب في الأخير ، فهي طيِّعة تُؤتى من أذنها . ولكن تنشأ الدول والأفكار بطريقة التنشئة والتربية ثم التوجه للجماهير بخطاب عام يتناسب مع مستوى وعيها وقتئذ .
مثلا الدولة العباسية ، بدأت بالدعاة المخلصين ثم مارس هؤلاء الدعوة السرية ثم اتجهوا ـ بمن أطاعهم ــ للجماهير بخطاب حماسي تحريضي وساروا إلى بني أمية في دمشق وأسسوا الدولة ، واشتُهر في التاريخ اصطفاء مجموعة من الأفراد ذوي المهارات المعينة من أجل تنفيذ مهام محددة ، وكان أكثر ذلك في القتال ، وعلى سبيل المثال المماليك البحرية [14] والفتيان العامريون [15] والانكشارية [16]
ومن هذا الكلية التي أنشأها اللورد ( كرومر ) و ( الشيخ ) محمد عبده ( 1849م ـ 1905م ) في مطلع القرن العشرين لتخريج قضاة شرع من ذوي الطابع التحرري . . . كانت بمثابة محضن تربوي لمجموعة منتقاة من الطلبة وتعتمد على برامج علمية منتقاة أيضا لتحقيق أهداف خاصة ... كانت ( نظم تذود الطالب ببرامج ثقافية ذات طابع تحرري ولا تحصر الطالب في الدراسات الخاصة) و ( قد كانت تجربة أثبتت نجاحها من كل والوجوه ) كما يقول ( كرومر ) في تقريره لحكومته عام 1905م [17] . وهذه المدارس هي التي خرج منها جيل كامل من الشاذين فكريا وأصحاب الطموحات الدنيوية ـ كما يصفهم الدكتور محمد محمد حسين ـ يرحمه الله ـ والذين كانوا سببا رئيسيا من أسباب تغريب الأمة [18] .
وقد فطن عباد الصليب إلى هذا الأمر فعمدوا إلى إنشاء مدارس تربوية خاصة . تعتمد مناهج معينة تحقق أهدافهم ، وتقبل طلابا بصفات معينة من الذكاء أو الوضع الاجتماعي ـ أبناء الأمراء وكبراء القوم ـ ولكي تعرف خطورة هذه المدارس أنقل لك كلمة أحدهم ، يقول وقد أسس مدرسة في اسطنبول عام 1863م: « لقد أنشأ الأتراك حصناً لفتح إسطنبول ، وأنا سأنشئ هنا مدرسة لهدمهم » ، وما يعنيني هنا أن هذا المدارس قامت على نوعي الانتقاء الذي أتكلم عنه انتقاء الأفراد وانتقاء المنهج . وكانت محصلتها ما نحن فيه اليوم [19] .
ولا بد من العمل على ذات المحور ، أعني تربية كوادر علميه تتصدى للمجرمين وتتولى مسئولية توجيه الأمة . أو تفرض واقعا جديدا على الموجودين .
إن الصراع بين الحق والباطل لا يظهر على السطح إلا في المراحل الأخيرة ، ومراحل الإعداد تكون كلها في إطار ضيق خفي لا يدري بها إلا النابهون من المهتمين ، فانتظار أن يحتدم الصراع على السطح . . . أمر من السذاجة بمكان ، ويكفي ما مضى في التاريخ من دروس وعبر .
ــ طرد الإرجاء الفكري ، والتصدي للمحاولات ( الإصلاحية ) التي تنبثق من داخل الصف الإسلامي ( الصحوي ) تحديدا ، فكما رأينا في التجربة المصرية ، لا بد من الصحويين أصحاب الأيدي النظيفة ، ليتكلموا للناس بأن الذي يدعوهم إليه القوم لا يفارق الشرع في كثير ، وهذا يقتضي إشاعة فقه المآلات في الفتوى ، والنظر في الخلفيات والدوافع ، وعلينا أن نذكر هؤلاء بالله وأن ينظروا في مآل ما يتكلمون به .
[1] طالب علم
[2] الروض الأنف قصة مقتل عروة بن مسعود الثقفي . وحاء في سنن الترمزي 3582في كتاب المناقب من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه وهو في الإسراء والمعراج وصف عروة بن مسعود الثقفي بعيسى عليه السلام . وجاء ذلك أيضا في صحيح مسلم كتاب الإيمان حديث رقم 251 .
[3] مسند أحمد 5172
[4] والبداية والنهاية لابن كثير: جـ 2 ــ 220
[5] البخاري 2634ومسلم 4436.
[6] البخاري كتاب المغازي حديث رقم 4382
[7] يذكر مثلا أن سيد قطب ومحمد قطب ، وهم من أشهر الأسماء في الصحوة الإسلامية ، كانوا ممن تربوا ضمن منظومة التيار التغريبي ، وكذا بدأ الحجاب ــ بمفهومه الشرعي الصحيح ــ يظهر في الجامعات العلمانية وفي الشارع المصري حتى أصبح ظاهرة . وكذا اللحية وتقصير الثياب بين الشباب .
[8] خطورة المعلم كخطورة المناهج إن لم تكن أشد ، فالقدوة لها تأثيرها القوي جدا في حس الناشئة ، ويستطيع أي معلم أن يخرج على المنهج ويبث مفاهيم جيدة أو رديئة أثناء تدريس المنهج الرسمي . لذا ينبغي أن يكون الاهتمام بالمعلم من جنس الاهتمام بالمناهج .
[9] انظر ـ مثلا ــ ( التعليم الأجنبي مخاطر لا تنتهي ) لـ مهيمن عبد الجبار .مجلة البيان العدد / 174صـ18 ، والعدد 175 صـ 8 . وهو من أفضل ما اطلعت عليه في هذا الموضوع .
[11] قلت كل يدعي الإصلاح ، وفي المنافقين نزل قول الله تعالى: ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون . ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) .