فهرس الكتاب

الصفحة 19672 من 27364

ثم جاء محمد عبده ــ ولا حظ التطور في الطرح ــ وتحت مسمى ( الإصلاح ) [11] أباح التشبه بالخواجات في الفتوى الترنسفالية ، وأباح الربا في شكل صناديق التوفير ، وحرَّم تعدد الزوجات ، وكان ظهيراً لقاسم أمين في كتابه"تحرير المرأة"وكان من ( أعظم من تجرأ على مفهوم الولاء والبراء ودار الحرب ودار الإسلام من المنتسبين للعلماء بتعاونه مع الحكومة الإنجليزية الكافرة ودعوته إلى التعامل مع الإنجليز وغيرهم بحجة أن التعامل مع الكافر ليس محرماً من كل وجه ) [ العلمانية: 578] .

وقد لخص العقاد ما أريد قوله عن محمد عبده في سطرين يقول في [ أعلام العرب: 176 ] : ( وجملةً يمكن أن يقال أن ما من عملٍ من أعمال الخدمة الاجتماعية تم بعد وفاته إلا كان من مشروعاته التي هيأ لها الأذهان ومهد لها الطريق وبدأ فعلاً بالاستعداد لتنفيذها ومنها الجامعة المصرية التي كان يعني بها أن تقوم بتعليم العلوم وفقاً للمناهج الحديثة وتسهم في تجديد الحضارة العربية القديمة ) [12]

وتدبر: التعامل مع الكفار ( قبول الآخر ) ، التشبه بهم ، إباحة الربا ، تحرير المرأة ، تحريم تعدد الزوجات ، أليست هي ذات المطالب التي ينادي بها الليبراليون اليوم ؟

ــ لم يتجه محمد عبده ومن معه في نقده للمؤسسة الدينية الرسمية ( الأزهر ) إلى من يخالفونه فيها ، لم يجلس معهم يخاطبهم بما عنده ، يعرض عليهم أطروحاته ويستمع لردودهم ، وقد كان الإخلاص يقتضي ذلك ، بل إن نصوص الشريعة تأمر بذلك ففي الحديث ( الدين النصيحة ... الحديث ) ، ولكنه اتجه للجماهير ، وأخذ يقلبها على المؤسسة الدينية الرسمية ، بل وينفرها منها ، بدعوى أنهم غير متفتحين ، لا يفقهون الواقع ، فتاويهم تصلح لخمسة قرون ماضية ، أما هذا اليوم فيحتاج لمفتي أوعى وأدرى بحال الناس ، وأخذ يرميهم بما ينفر الناس منهم . وكان متدنيا في كلماته يصف الأزهر بأنه ( المخروب ) و ( الأستبل ) في إشارة واضحة إلى أن ما فيه من علماء حيوانات لا يفقهون شيئا ، يتكلم بهذا ثم هو إمام ومجدد عند بعضهم !! ، وطبيعي أن يجد من يسمع له ويتحمس لفكرته .

ــ ومن أهم ما حدث أن هذا التيار الجديد أخذ يُربي مجموعة من النابهين الطامحين المتحمسين على أفكاره ، ولك أن تقرأ سير كل الشخصيات التي برزت بعد ذلك في جميع المجالات حتى السياسية لتجد أنها تأثرت مباشرة بالخطاب المنبعث من المؤسسة الدينية في شخص محمد عبده يومها ، قاسم أمين ، أحمد لطفي السيد ، سعد زغلول ، والذين جاءوا من بعدهم كابن العقاد وغيره . وكانت تربية هؤلاء الكوادر تعتمد على أسلوب الانتقاء والمتابعة . وسيأتي مزيد بيان لهذه النقطة إن شاء الله وقدر

ــ فالصورة التي انتهى إليها هؤلاء ( الإصلاحيون ) أنهم استدبروا المؤسسة الدينية ، وأخذوا يتكلمون للناس ويربون ، وأوجدوا واقعا جديدا بعيدا عن الواقع القديم ، وفرضوه على الواقع القديم . ثم حدث الاستبدال بعامل الوقت ، وبعصا السلطان .

ــ المحور الأخير وهو المنسق والمفعل لكل هذه المحاور هو عصا السلطان ، التي سمحت لهذا ومنعت هذا ، وقدمت هذا وأخرت هذا ، وولت هذا وعزلت هذا ، كانت يومها في أرض الكنانة مع المجرمين وتحارب الطيبين ، وهي اليوم غائبة بل منحازة ( للملتزمين ــ المطاوعة ) وهي نعمة من الله لا بد من شكرها .

ــ بقى أن شيء لابد من ذكره ، وهو أن سبب تقبل المجتمع المصري للطرح التغريبي هو الإرجاء جرثومة الإرجاء ، عَمَلَت جرثومة الإرجاء عملها في عقيدة الأمة ، فأخرجت العمل من مسمى الإيمان ليكون شرط كمال لا شرط صحة واقتضاء ، فانحسر الإيمان في ذهن العوام إلى نطق بالشهادتين ، وإقرار باللسان ، وانتساب في الجملة إلى الإسلام .

ولولاه ـ أعني الإرجاء ـ ما انبهر بهم الشعب ولا من ذهبوا مبعوثين عن الشعب .

لولاه ما ذهبت النخبة من أبناء الأمة بل من طلبة العلم الشرعي في الأزهر الشريف ، إلى هذه البلدان الكافرة تتلمذ على يد أبنائهم ، وتثني عليهم ، وتريد منا تقليدهم والسير في ركابهم .

لولا الخلل العقدي الذي أحدثته جرثومة الإرجاء في المفاهيم الإسلامية ، والتصورات العقدية عند هذه النخبة ، لوقفوا في ديارهم حين رأوا حالهم يقولون لهم:"اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .""قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن الإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون""ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحانه وتعالى عما يشركون ."

ولعادوا إلينا يقولون لنا: إنهم أهل دياسة لا يغار الرجل على عرضه ، وأهل كفر لا يتحاكمون إلى شرع الله ...ولكن شيئا من هذا لم يحدث . بل أُشربت قلوبهم الفسق بضلالهم وبُعدهم عن منهج الله الصحيح ، فعادوا يريدون من الأمة أن تسير في ركاب الضالين ... وأن تقتفي أثر باريس وبرلين ، وأن تحمل على أعناقها الفسقة والمجرمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت