فهرس الكتاب

الصفحة 19700 من 27364

قال كاتب هذه السطور: إنما نقلت هاهنا طرفاً من سيرتهم حتى يعلم المخالفون الذين يحيون الاحتفالات بالموالد وغيرها من هو سلفهم في هذا الأمر فيرغبون عن هديهم والتشبه بهم فإنه من غير المعقول أن تكون هذه الأعياد المحدثة محمودة مندوباً إليها فتقصر عنها الأمة كلها طوال القرون الفاضلة ويسبقهم إليها أولئك العبيديون الضلال!!.

فصل: سلطان إربل وإحياء الموالد

وكان بالموصل رجل من الزهاد هو الشيخ عمر بن محمد الملا (وكانت له زاوية يقصد فيها وله في كل سنة دعوة في شهر المولد يحضر فيها عنده الملوك والأمراء والعلماء والوزراء ويحتفل بذلك) .

وقال أبو شامة في كتابه:"الباعث على إنكار البدع والحوادث"في معرض كلامه عن الاحتفال بالمولد النبوي: (وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيره رحمهم الله تعالى) .

وصاحب إربل هذا هو المظفر أبو سعيد كوكبري بن زيد الدين علي بن تبكتكين سلطان إربل المتوفى سنة 630هـ وهو أشهر من بالغ في الاحتفال بالمولد النبوي بعد العبيديين فكان يعمل لذلك احتفالاً هائلاً كما ذكر ابن كثير في تاريخه وقال:(قال السبط: حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي وعشرة آلاف دجاجة ومائة ألف زبدية وثلاثين ألف صحن حلوى.

قال: وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم ويطلق لهم ويعمل للصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم..).

إلى أن قال: (وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار) ا.هـ نقله من تاريخ ابن كثير .

وقال الشيخ علي محفوظ في"الإبداع في مضار الابتداع): (وأول من أحدث المولد النبوي بمدينة إربل الملك المظفر أبو سعيد في القرن السابع وقد استمر العمل بالموالد إلى يومنا هذا وتوسع الناس فيها وابتدعوا بكل ما تهواه أنفسهم وتوحيه إليهم شياطين الإنس والجن ولا نزاع في أنها من البدع إنما النزاع في حسنها وقبحها…) ا.هـ نقله ."

فتبين مما سبق أن الاحتفال بالموالد ونحوها هو من ابتداع العبيديين ثم تابعهم عليها غيرهم من الزهاد والملوك وقلدهم في ذلك العوام وقد علمت أن هذا كله مخالف لدلالات النصوص الشرعية ولعمل سلف هذه الأمة في القرون المفضلة.

ويدخل في ذلك كل الاحتفالات والأعياد المحدثة سواء كانت متعلقة بمناسبات دينية كذكرى المولد النبوي أو الإسراء والمعراج أو الهجرة أو الغزوات والفتوحات أم تعلقت بغيرها من المناسبات كالأعياد الوطنية ونحوها فكلها داخل في النهي ويعظم خطرها ونكارتها إذا عرف أنها مأخوذة من أعياد الكفار، كأعياد اليوبيل بأنواعه: الفضي والذهبي والماسي .

المسألة الثالثة: من شبه المخالفين

ومن شبه المخالفين في هذه الأعياد المحدثة قوله: إن هذه ليست أعياداً وإنما هي احتفالات أو مناسبات وذكريات فقط بخلاف الأعياد التي يشرع فيها ذكر معين وصلاة معينة ونحو ذلك.

والجواب: إن هذا الذي ذكرتموه من الاحتفالات أو الذكريات المتكررة في الأعوام أو الشهور أو غير ذلك هو معنى العيد.

إذ العيد كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هو: (اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو نحو ذلك.

وقال: (فالعيد يجمع أموراً: منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة ومنها اجتماع فيه ومنها: أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات) .

فيقال للمحتفلين بالمولد النبوي والإسراء والمعراج ونحو ذلك ألستم تجتمعون في كل عام لهذا الغرض وتحتفلون به وتعملون لذلك برنامجاً خاصاً وتقيمون لذلك عادة ولائم خاصة بهذه المناسبة؟

ويقال للمحتفلين بالأعياد المدنية أو الوطنية أو اليوبيل ألستم تفعلون نحو ذلك؟

فهذا هو العيد سواء سميتموه به أو بغيره فالعبرة بالحقائق والمسميات.

وقد رأينا من يجاهر بالزنا ويسميه فناً يعانق الرجل المرأة على مرأى من الخلق ويفعل معها ما يفعله الرجل مع حليلته ويجاهر آخرون بالربا ويسمونه فوائد وعمولات ويجاهر آخرون بالشرك ويسمونه بغير اسمه وهكذا فهل غيّر ذلك من حقيقتها وحكمها؟

وقد صح عن صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) .

تنبيه:

هناك فرق بين هذا الاحتفال الذي يعود ويتكرر وبين أن تحدث نعمة للمرء فيفرح لها ويصنع وليمة يدعو لها الناس فإن هذا ليس عيداً، بل هو من المباحات، ما لم يشتمل على شيء من الأمور التي تخرجه إلى المكروه أو المحرم.

ولو قدر أن هذا الشخص أعاد الاحتفال بمناسبة تلك النعمة أعواماً أخرى فإن هذا يصيره عيداً ويدخله في حكم المحدثات من الأعياد والاحتفالات.

وليس ذلك مختصاً بالنعم بل حتى الذي يفعله بعض الناس من الاحتفال بذكرى الأحزان فيجتمعون لذلك بمناسبة مرور عام أو أكثر كما يفعل هذا بعض المسلمين في فلسطين في تظاهراتهم بمناسبة ذكرى الاحتلال فهو داخل في مسمى العيد وفيه تشبه بالكفار وإن لم يصحبه فرح وولائم ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد عادة.

شبهة أخرى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت