فهرس الكتاب

الصفحة 19715 من 27364

ولما كانت الأهواءُ تجمَح والمدارك تختلِف وتطمَح كان لِزامًا اعتبارُ صلاحِ المصلِح وصفاءُ منهَجِه واستقامة آرائه؛ إذ لا يشفَع في هذه القضيّة الجُلَّى مجرَّدُ حُسن النّيّة وحُبّ الخير ـ على أنهما محمَدَتان ـ مع ضحالةِ العِلم وقصورِ الترجيح بين المفاسِدِ والمصالح والثّوابت والمتغيِّرات، وبهذا تتَفَتَّق أكمامُ الإصلاح على قولِ الحقِّ سبحانه: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] .

ويؤكَّد هنا على التحذيرِ مِن الجانب المزعومِ للإصلاح الذي يركبُ مطيّتَه بعضُ المزايدين على الشريعةِ وذوي المغامَرات الطائِشة والأطروحات المثيرة المتَّسمة بالمخالَفات الشّهيرة واللاهثِين وراءَ موجةِ حبِّ الظهور والشّهرة، وقد أوضحَ لنا القرآنُ الكريم ذلك غايةَ الإيضاح في جانبِ قومٍ لا خَلاقَ لهم من المنافقينَ بقوله سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12] .

إخوةَ الإيمان، ومِن أهمِّ ركائز الإصلاحِ وضوابِطه ـ يا رعاكم الله ـ الإخلاصُ لله ومراقبَته، فبالإخلاص يُرسَم طريق الخيرِ والخَلاص، مجانبَةً لمن لا يوثَق بإخلاصِه لله ثم لدينِه وولاةِ أمرِه وبِلاده، ولا يتحرَّى موافقةَ الشّريعة في جميع تصرّفاته وأعمالِه وأحواله، ومنها اليقينُ بأن السّعيَ في مواردِ الإصلاح أمانةٌ ومسؤوليّة أمام الله سبحانه، ثم هي مَسؤولية أمامَ المجتمع، فهلاَّ تذكَّرنا واستشعرنا أنها من المسؤوليّات والأماناتِ التي عظّم الله شأنها بقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء:58] ، فهل بعدَ هذا يسوغ إطلاقُ دعاوَى الإصلاح لمجرَّد مطامِعَ شخصيّة أو مصالح مادّيّة أو غَرضٍ أو عَرضٍ أو هَوى أو لمجرَّدِ انتماءاتٍ فكريّة وحزبيّة ونحوها؟! فإنَّ ذلك مِن أوجهِ الخيانةِ لله ثم لولاةِ الأمر وللمجتمَع بأسره، والله عزّ وجلّ يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27] .

وممّا تجدر ملاحظتُه أنَّ المقياسَ في صدقِ أدعياء الإصلاح يرجِع إلى الكفاءةِ في الدين والأمانة، وقد قال إمامُ الحرمَين رحمه الله: مَن لا يوثَق به في باقةِ بَقل كيف يُرَى أهلاً للأمانة؟! ومَن لم يتَّقِ الله لم تؤمَن غوائِلُه، ومَن لم يصُن نفسَه لم تنفَعه فضائله.

ومِن ركائز الإصلاحِ المهمَّة الشورَى لأهل العدالة والعِلم والرّأي والحِكمة وذوي النوايَا الصّادقة والحِجَى الرّاجِحة والمعارِف النّافعة والنُّهَى السّديدة الرّاشِدة والنزاهة ونظافة القَلب واليَد واللِّسان، في معتقدٍ صحيح ومَنهَج سليم وخُلُق كريمٍ وأسلوب قويم والحَذَر من اتِّباع الأهواء والانسياق وراءَ العواطف والرَّغبات، حِفاظًا على المجتَمَع أن يدخلَه النقص ويتطرَّقَ إليه الخلَل بأيِّ وجهٍ مِن الوُجوه، فهذا لا يليق بالمسلِم ولا ينبغي أن يؤثِّرَ على أخلاقيَّات وثوابت المجتمَع الذي تتعيَّن المحافظةُ عليه وعدَم التغرير بأفرادِه، ممّا يُربَأ بالمسلِم عن الوقوع فيه والانزلاقِ في هوّتِه، فهل من حقِّ مجتمعٍ نشأتَ فيه وترَعرَعتَ بين جنباته وارتَضَعتَ مِن لبانِه أن يَقلِب له أقوامٌ مِن الرّويبِضة وسُفهاء الأحلامِ ظَهرَ المجَنّ في السوء والفَساد والخيانةِ إفراطًا أو تفريطًا، فما اسطاعَ هؤلاء، وما استطاع أولئك، والله وحدَه أمنّ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ [البقرة:220] ، إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81] . وقولوا لي ـ بربِّكم ـ مَن تؤويه دارٌ فيجحَد فضلَها ويتنكَّرُ لها ماذا يكون؟ حقًّا إنّ الجنونَ فُنون.

معشَرَ الإخوةِ الأكارِم، وممّا ينبغِي التفطُّن له الحذَرُ مِن الاغتِرارِ بالحَمَلات الإعلاميّة المغرِضَة والقنوات الفضائيّة المسِفَّة بدعوَى الإصلاح زعَموا أو الانسياقِ وراء الطعون المجرَّدَة والتُّهَم الملفَّقَة أو النّيل مِن رموز المجتَمَع وصالحي الأمّة والطّعن في الناجِحين والحطّ مِن أقدار الطامحِين ومحاولة إسقاطِهم والخَدش فيهم بغَير وجهِ حقّ أو التّحريشِ بين المسلِمين أو التّهييج والإثارةِ والتشنّج وإثارةِ بواعِث الفِتن وأسبابِ الفرقة والإحَن وإحياء النّعرات والعِرقيّات والقَبَليّات والأبعاد الطائفيّة والمذهبيّة وبَذر بذورِ الشقاق والاختلافِ والتجافي عن موارِدِ الاجتماعِ والائتلاف، ومَن فعل ذلك فهو على خطَرٍ في دينه ومروءتِه والعياذ بالله، كما أنّه قدح في أصلٍ من أصول الدّين كما قال شيخ الإسلام رحمه الله:"ثمّ إنّ الاعتصامَ بالجماعة والائتلاف مِن أصولِ الدين"انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت