وعلى كل فإن الوطنية - هنا ليست مجرد ذلك النزوع الشعوري ولكنها نزعة فكرية (مذهبية) لها مبادئها العامة وطقوسها السلوكية التي يزرعها رواد هذه النزعة في نفوس الناس وينشئون عليها ناشئتهم ، ويحاكمون إليها مواقف أتباعهم، وينظرون إلى الآخرين من خلالها ، الوطنية بهذه الصفة ليست حديثة ، فقد وجدت في المجتمعات القديمة ومن أشهر صورها الوطنية اليونانية ، ثم وطنية الإمبراطورية الرومانية التي كانت تنظر للشعوب الأخرى المنضوية تحت ظل الدولة الرومانية بصفتهم عبيداً تابعين للوطن الأم ، لا يقبل من هؤلاء الأتباع الانصهار في بوتقته والاندماج به كما حصل مثلاً الاندماج في الحضارة الإسلامية ، ولقد تجلت النزعة الوطنية متماهية مع القومية في أوربا الحديثة نتيجة التفلت من الإمبراطوية الجامعة التي كان رباطها الجامع بين الأوربيين هو المسيحية التي دخلت إليها في القرن الثاني الميلادي .
هذا التفلت بدأ بالملوك ثم برجال الدين فيما عرف بالحركات الإصلاحية حيث تقسمت القارة الأوربية كما يقول الندوي (إلى إمارات شعبية مختلفة وأصبحت منازعاتها ومنافستها خطراً خالداً على أمن العالم) (1) .
هذه (الوطنيات القومية ، أو القوميات الوطنية ) سعت - كل منها - من أجل تقوية نفسها وشحن شعور الأتباع بروح التضحية لها إلى تعميق الروح الوطنية بإحلالها بصفتها ديناً له قداسته محل المشاعر الدينية المسيحية ، حتى أصبح الدين والوطنية كفتي ميزان كلما رجحت واحدة طاشت الأخرى . وقد ظلت العصبية الوطنية - كما يقول (إدوراد لوتين) -"تقوى وفي المقابل تخف كفة الدين كل يوم" (2) ووضعت الوطنيات على مرور الزمن مراسم لتحقيق ذلك تضاهي المراسم الدينية .
هذه الوطنية هي الرحم الذي أنجب المواطنة التي تمثلت في علاقة الحاكم (الملك) بالسكان من حيث تبادل الحقوق والواجبات بناءً على الرابطة الوطنية بعيداً عن الدين .
المواطنة: لم ير بعض أهل اللغة دلالة لهذا اللفظ على مفهومها الحديث إذ إن واطن في اللغة تعني مجرد الموافقة واطنت فلاناً يعني وافقت مراده، لكن آخرين من المعاصرين رأوا إمكانية بناء دلالة مقاربة للمفهوم المعاصر بمعنى المعايشة في وطن واحد من لفظة (المواطنة) المشتقة من الفعل (واطن) لا من الفعل (وطن) فواطن فلان فلاناً يعني عاش معه في وطن واحد كما هو الشأن في ساكنه يعني سكن معه في مكان واحد (3) .
والمواطنة بصفتها مصطلحاً معاصراً تعريب للفظة (Citizenship) التي تعني كما تقول دائرة المعارف البريطانية (علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق - متبادلة - في تلك الدولة ، متضمنة هذه المواطنة مرتبة من الحرية مع ما يصاحبها من مسؤوليات) (4) .
المواطنة في صورتها الغربية المعاصرة:
بناء على شمولية الإسلام الذي وجه المسلم نحو الاستقامة على القيم الفاضلة في كل مفاصل حياته الفردية والاجتماعية كان المسلمون يعون أنهم يرتبطون مع من حولهم بحقوق وواجبات متبادلة يترتب على الإخلال بها خلل في تدينهم وحياتهم ، و يعرفون أن لهذا الإخلال - من قبلهم - جزاءً وعقوبة قد تكون دنيوية وقد تكون أخروية وهي الأخوف بالنسبة للمسلم .
هذه الحقوق والواجبات متبادلة بين الناس في مكان أو بلد أو تجاور ومتبادلة بين مجموعة الناس بصفتهم شعباً لمجتمع والولاية التي تحكمهم ، لم تأخذ هذه الأمور اسم (المواطنة) ولم يكن مستندها الوطن بصفته جامعاً بديلاً للجوامع الأخرى دينية أو قبلية ، كان مستندها الشرع الإسلامي ، وتفهم على أنها جزء من منظومة القيم الإسلامية الشاملة .
في العصر الحديث في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين برز شعار الوطنية لدى المسلمين عرباً وأتراكاً وغيرهم وبأخرة تردد شعار المواطنة ، ولم يكن خافياً أن هذين الشعارين مستوردان من الخارج وأنهما من معطيات الحضارة الغربية الحديثة ومن هنا كان التوجس والتساؤل عن مضمون هذين الشعارين في أرضهما الأصلية ومن ثم لدى ناقليهما.
ليس من شأن هذه الورقة المقتضبة أن تؤرخ لقضية المواطنة في الفكر الغربي نشأة وتطوراً وفلسفة وصوراً عملية ، وإنما هي مجرد إضاءات بحسب ما يخدم الموضوع .