بدأ تشكل المواطنة في أوربا بعد انحسار هيمنة الكنيسة على الحياة الاجتماعية في أوربا ، وتراجع توجيهها المباشر للحياة السياسية فيما يتعلق بحياة الناس ، هذا الانحسار والتراجع جعل العلاقة بين الدولة أو الملك - في أوربا - وبين الشعب أو السكان مباشرة مما جعل الشعب يشعر أن الدولة دولته ، وأن له عليها حقوقاً كما أن الدولة ترى أن لها على هذا الشعب حقوقاً خاصة الضرائب التي يقضي إقناع الناس بدفعها إشراك ممثلين لهم في الحكومة يشرفون على صرفها ، فضلاً عن سبب آخر مهم دفع الناس والدول إلى اتخاذ مبدأ المواطنة حلاً لمشكلاته ، هذا السبب هو تعدد الشيع الدينية النصرانية في القرن السابع عشر بالذات ، وشيوع الصراع والفتن بينها حيث (استمرت هذه الفتن حتى بلغت حداً من الشدة حمل الناس على أن يقبلوا ولو ببطء وتردد أن يتجاوزوا الاعتقاد الديني إلى مبدأ المواطنة وأن يسلموا بمبدأ آخر وهو أن الاختلاف في العقيدة الدينية لا يحول دون الانتساب لمواطنة مشتركة) (5) .
ويرى الأستاذ علي خليفة الكواري أن ثلاثة تحولات كبرى متكاملة حدثت في أوربا هي التي أرست مبادئ المواطنة في الدولة القومية الديمقراطية المعاصرة:
• بروز الدولة القومية نتيجة صراع الملوك مع الكنيسة الذي انتهى بتبعية كل رعية لملكهم ومذهبه الذي اتبعه في إطار المجتمع الذي تقوم فيه دولته بقوميتها وتاريخها وثقافتها المتميزة .
• المشاركة السياسية التي كانت نتيجة الحاجة المتبادلة بين الدولة وشعبها وما نتج عنها من الاعتراف بحقوق متبادلة وتشارك في العمل السياسي والإشراف على حركته - كما سبق - .
• حكم القانون: حيث انتشرت في الدولة القومية التي تشكلت صياغة القوانين التي تنظم العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية واستمر إصدار هذه القوانين تلبية لحاجات تلك المجتمعات وانتقل إصدار هذه القوانين بعد ذلك إما تدريجياً - كما في بريطانيا - أو ثورياً كما في فرنسا وأمريكا إلى الشعب الذي أصبح مصدر السلطات والتشريع حيث مثل ذلك قمة (المواطنة) .
ويشير أحد الكتاب إلى أساسين كبيرين من أسس المواطنة في العصر الحاضر هما:
• المشاركة في الحكم من جانب .
• المساواة بين جميع المواطنين من جانب آخر (6) .
وقد تبلورت هذه العناصر كلها فيما سمي (حقوق المواطن) أو (حقوق الإنسان في ظل وطنه) سواء كانت حقوقاً مدنية أم سياسية أم اجتماعية تتعلق بقضايا الاقتصاد والثقافة والاجتماع التي أصبحت دولية تدان أي دولة تنتهكها .
ولكن يبقى واضحاً - دون إنكار لما في الوطنية والمواطنة من إيجابيات - أنها - وإن عولمها الغرب نتاج للتحولات التاريخية الغربية ، واستجابة لمتطلباته الحضارية (الخصوصية) بالدرجة الأولى وإن كان فيها ما تستفيده البشرية خارج السياق الأوربي . وخلاصة القول أن (المواطنة) في مفهومها المعاصر ومسارات تطبيقها ومتطلباتها التربوية تتمثل في:
• المساواة بين المواطنين في ظل قومية وطنية واحدة على أساس الانتماء لهذه الوطنية .
• امتلاك (المواطن) حقوقاً اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية يتكفل بها النظام .
• تحمل (المواطن) واجبات تجاه الدولة والمجتمع ، ضرائب ، تجنيد ، أعمال تطوعية .. إلخ .
• استحقاق المواطن أن يشارك بصورة ما في خدمة وطنه عبر المجال السياسي مباشرة أو بالإنابة.
• الولاء من المواطن للوطن ولكل رمزياته نشيداً وعلماً ولغة وأعرافاً إلى درجة التضحية في سبيله .
علاقة المواطنة بقيم المجتمع الذي تقوم فيه:
على الرغم من كون (الوطنية) - بصفتها شعاراً معاصراً يتقمص مضامين محددة - نتاجاً حضارياً لتحولات الغرب التاريخية في عصوره الحديثة بما جعل هذه المضامين مصطبغة بصبغة حضارته الراهنة: العلمانية ، المنطلقة من منظور لا ديني يسمح وفق المنظور الليبرالي الديمقراطي لكل المقيمين داخل حدود قطر معين بالعضوية المستحقة لكافة الحقوق ويعطيهم مجال المشاركة في التأسيس السياسي والتأثير في المجتمع ثقافياً وسياسياً - على الرغم من هذه الصورة المثالية - إلا أن الواقع لم ولا يمكن أن يتحقق بها لأن أي مجتمع يتشكل من جماعات لكل منها مطالبها ورؤاها التي تتناقض مع مطالب غيرها مما يقضي بوجود منطلقات مشتركة تضبط حركة الجماعات وتؤطر مطالبها لذلك كان الحل لتحقيق مواطنة إيجابية هو ( أن يكون المجتمع مستنداً إلى قاعدة من القيم المشتركة التي تتقيد بها كل الجماعات المؤسسة له . ويرى تالبوت بارسونز: أن المجتمع بالضرورة هو نظام أخلاقي مستند إلى الدين ، ويحصل مجتمع متعدد الثقافات مثل أمريكا على تماسكه من حقيقة أن القيم اليهودية والمسيحية المعتمدة على الدين تم تأسيسها في البنى الاجتماعية وغرسها ذاتياً في شخصيات الأفراد إلى الحد الذي أصبح فيه طبيعياً اعتبار التزامات الفرد لأي من المجموعات الدينية أو للجماعات العلمانية الصورية متوافقة مع الأنماط المؤسسة للقيم ولا يمكن للمجتمع أن يقوم من دون هذه الرابطة المشتركة للقيم المعتمدة على الدين) (7)