فهرس الكتاب

الصفحة 19735 من 27364

لا شك في أن هناك من يخالف هذه الوجهة تحرزاً من إقحام الدين في قضية تستهدف إدماج أناس ينتحلون أدياناً وثقافات مختلفة ، حيث يرى بعض أصحاب هذه الوجهة أن الديمقراطية بقيمها المشتركة كافية لتمثيل قاعدة ترتكز إليها المواطنة .

والملاحظ أن الطرح الثاني لم يبعد عن الأول إلا في استبعاد مصطلح الدين وإلا فمن قال إن قيم الديمقراطية ذات المنشأ والوجه الغربي قيم مشتركة ؛ أي إنسانية ؟ والواقع يشهد أن القيم ذات البعد الديني حتى وإن كان هذا البعد مضمراً هي الموجهة لحياة الإنسان في المجتمعات الفاعلة في حضارة اليوم لهذا لم يك مستغرباً أن تنضم دول لم تنفك من الشيوعية إلا قبل سنوات للاتحاد الأوربي بسرعة مذهلة - وهو الاتحاد الذي يسعى الآن لصياغة نمط من المواطنة عابرة للقوميات الخاصة - فرنسية وألمانية ... إلخ - بينما ظلت تركيا - ذات الخلفية الإسلامية - الهائمة بالانضمام لهذا الإتحاد تلهث منذ عقود نحوه وكلما قاربت أبرزت عوائق جديدة في وجه هذه الانضمام .

هذه الحقيقة - حقيقة أن المواطنة تتشكل من القيم السائدة في المجتمع - بحيث يتجاوب معها الجميع ، وتقوم هي برعاية الجميع حتى من غير اتباع تلك القيم هي التي جعلت عدداً من الباحثين في مسألة المواطنة في الإسلام يرفضون اتهام بعض المستشرقين مثل (برناردلويس) الذي يؤكد أن مفهوم المواطنة غريب تماماً على الإسلام بحجة أن لفظة مواطن بالمفهوم الغربي الذي يعني المشارك في الشؤون المدنية غير موجود في اللغة العربية (8) .

رفض باحثون عرب هذه الاتهام وبينوا أن هناك لفظة تحمل مضمون المواطنة من حيث هي حقوق وواجبات متبادلة بين عناصر المجتمع ، هذه اللفظة هي (مسلم) ؛ ومن ذلك ما رآه طارق البشري من قيام مفاهيم المواطنة التي تبناها النظام العالمي على الترابط التاريخي بين أهل إقليم معين يكون هذا الإقليم أساساً للعضوية فيها واستثناء غيرهم من حقوق المواطنة كذلك في الإسلام حيث يستند المفهوم الإسلامي للجماعة السياسية على الدين بحيث يكون إسلام الشخص مؤهلاً إياه للتمتع بحقوق المواطنة .

ويبرز الأستاذ عبد الوهاب الأفندي هذه القضية قائلاً: ( إن مطابق الكلمة العصرية(مواطن) في المصطلح الإسلامي القديم هي كلمة (مسلم) وليس (مواطن) (ويرجع ذلك إلى أن هوية المجتمع الديني والسياسي في بدايات المجتمع الإسلامي كانت من المسلمات حيث يتمتع الفرد بحكم كونه مسلماً بعضوية فورية وكاملة في المجتمع السياسي وبالمعنى الإيجابي ، بل و(الجمهوري) للمواطنة النشطة ، يحمل الحديث الشريف المشهور هذا المفهوم (المسلمون ذمتهم واحدة ، ويسعى بذمتهم أدناهم ومن حقّر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (رواه البخاري ومسلم ) ويقول المعلق على البخاري بأن لفظة"المسلمين"تشمل نظرياً النساء والأطفال (9) .

وخلاصة القول أن المواطنة في صيغتها المعاصرة تركن إلى قيم ذات بعد تراثي (ديني) لأهل المجتمع أو لغالبيتهم ، وأن المواطنة في الإطار الإسلامي تركن إلى قيم الإسلام التي تحدد الحقوق والواجبات المتبادلة في مختلف الدوائر - التي يعنينا منها هنا دائرة الوطن - فإن كان مواطنو المجتمع كلهم مسلمين فالأمر واضح في تساويهم في الحقوق والواجبات المتبادلة بينهم وبين دولتهم ، وإن كان في المجتمع أقلية غير مسلمة فمن حق هذه الأقلية التمتع بحقوق المواطنة ارتكازاً للقيم الإسلامية التي تحمي حرياتهم الدينية ومصالحهم المادية والسياسية دون غبن أو جور وقد شهد التاريخ بالموقع المتميز للأقليات في المجتمع الإسلامي ، بل إن الملاحظ أن حقوق المسلمين في مجتمعات كثيرة في تاريخهم قد قيدت أو صودرت خلافاً لحقوق غير المسلمين .

وإذا كانت المواطنة في ظل تداعيات العولمة الراهنة والتغيرات العالمية تمر بمرحلة مراجعة تستهدف كسر حاجزها القومي ، إذ كما يقول أحد علماء الاجتماع الفرنسيين في كتاب عنوانه ( ما المواطنة - باريس 2000) : لماذا ترتبط المواطنة بالقوم أو بالوطن الخاص؟ ما الذي يمنع من أن تضيق نحو مواطنات أصغر نحو الجماعات الفرعية ذات الجامع اللغوي أو العرقي ، وما الذي يمنع من أن تتوسع نحو مواطنة عابرة للقوميات الوطنية (10) .

وهذا المسار هو الذي تسعى القوى الفاعلة اليوم لتوظيفه لمصالحها حيث تتكتل القوميات في العالم المتقدم (الاتحاد الأوربي مثلاً) بينما يجري تفتيت الأمم الأخرى ومنها الأمة الإسلامية نحو وحدات أصغر وأضعف .

والإسلام لا ينظر إلى المواطنة بمفهوم (إسلامية المسلم في مجتمعه الخاص ) على أنها حركة مغلقة ، بل هي حركة منفتحة ؛ فإقامة المجتمع المسلم المتماسك يستهدف الانفتاح على ما وراءه انفتاحاً إيجابياً إلى المجتمعات المسلمة للتوحد معها والإسهام في حمل همومها ، وإلى المجتمعات الأخرى للإسهام في إعلاء القيم الإنسانية التي تحقق للعالم تعايشاً سلمياً وتفاعلاً حضارياً نافعاً .

تمثلات المواطنة إسلامياً بين قطاعات المجتمع:

في أي وطن ، تتمثل العناصر الكبرى التي تتبادل الحقوق والواجبات ، وتقوم بينها المواطنة في ثلاثة:

• الشعب .

• المؤسسات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت