• الدولة .
المواطنة بين أفراد الشعب:
مدنية الإنسان ؛ أي ارتباطه بالناس الآخرين بعلاقات تبادلية ، تتجاوز صورتها الفطرية لتصبح ضرورة حياتية بل وجودية بالنسبة لهذا الإنسان ؛ لهذا نجد أن أشد المذاهب مغالاة في فردية الإنسان تعترف بضرورة وجود قيم تنظم علاقات هؤلاء الأفراد فيما بينهم حتى تحتفظ فردياتهم بأعلى قدر من التحقق .
والإسلام يجعل العلاقات التي ينظمها في المجتمع وغيره مع حسن علاقة المسلم بربه ، و الوفاء بعهده سبيل فلاح الإنسانية ، وبالمقابل يجعل إهدار الحقوق المرتبة على تلك العلاقات مع الإفساد في الأرض ونقض ميثاق الله سبباً في استحقاقهم مقت الله وسبيلاً للشقاء الأبدي.
يقول سبحانه وتعالى { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب * الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق * والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب * والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار* جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزاواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار * والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار} الرعد 18-25 .
تتمثل الحقوق والواجبات المتبادلة على المستوى الشعبي في تشعبات كثيرة بحسب الصفة التي يأخذها شخص تجاه الآخر ؛ فهناك حقوق بين الوالدين وأولادهم وحقوق بين الزوجين ، وحقوق بين الأرحام ، وحقوق بين الجيران ... إلخ .
هناك أيضاً حقوق تتداخل مع هذه ولكنها تصاغ على مسارات أخرى مثل حقوق البيت ، وحقوق الشارع، وحقوق المسجد وحقوق دور العلم ، وحقوق السفر والحضر .. إلخ . وما هو أوسع هناك الحقوق العامة المؤكدة بين عموم أفراد المجتمع لأنها أساساً حقوق عامة بين المسلمين لكنها بصفتها سلوكيات تتركز فيمن يعايشهم الإنسان أي أبناء مجتمعه وإذا شئنا نماذج منها مما جاءت به النصوص فإن من ذلك ما جاء في قوله تعالى { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون * يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون*يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم} الحجرات 10-12 .
وقول صلى الله عليه وسلم ( حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام ، وعيادة المريض ، واتباع الجنازة ، وإجابة الدعوة ، وتشميت العاطس) . وقوله صلى الله عليه وسلم (المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه ، كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة ، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلماً، ستره الله يوم القيامة) (11) .
وعلى هذا نقول: إن من المهم للارتقاء بالعلاقات بين الأفراد الذين يجمعهم مجتمع مسلم إلى المستوى الإنساني ، المحقق للسعادة ، أن تتجلى فيها الأخلاق التي شرعها دين الإسلام بين المؤمنين عموماً ، ومنها الأخلاق التالية:
-الولاء الذي ينعقد برابطة الإيمان بين المؤمنين ، وهو الذي على أساسه تتشكل البنية العضوية المتماسكة للمجتمع المسلم ، وبالتالي للأمة الإسلامية ، وبضعفه تفسد حال الأمة ، ويندثر وجودها الحضاري . ولهذا قال سبحانه وتعالى في سورة الأنفال: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) الأنفال 73 . قال الشوكاني: (قوله: إلا تفعلوه ، الضمير يرجع إلى ما أمروا به قبل هذا من موالاة المؤمنين ومناصرتهم .. وترك موالاة الكافرين ) (12) .
-الألفة والتواد والتعاطف ، حيث تسود العلاقات بينهم روح تقارب نفسي وعملي إيجابي يشد بعضهم إلى بعض شداً إيمانياً إنسانياً حقيقياً ، لا مصلحياً أو مظهرياً فقط، وقد أوضح ذلك الرسو صلى الله عليه وسلم في تشبيه بليغ ، في قوله عليه الصلاة والسلام: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) (13) .
-النصيحة ، وهي كلمة جامعة تقتضي السعي بكل ما فيه مصلحة للمنصوح له ، وليست مقصورة على الإرشاد نحو أداء عبادة متروكة ، أو ترك منكر مقارف.
وقد كان من عناصر المبايعة التي بايع الصحابة صلى الله عليه وسلم عليها: (النصح لكل مسلم) (14) . وفي صحيح مسلم عن تميم الداري أن صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة ، قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ، والمسلم أخو المسلم، لا يخذله ولا يكذبه ، ولا يظلمه وإن إحدكم مرآة أخيه ، فإن رأى به أذى فليمطه عنه) (15) .