فهرس الكتاب

الصفحة 19750 من 27364

وبالتأمل والتحليل لبعض ألفاظ الوثيقة نجدها تخاطب المرأة الفرد، وليست المرأة التي هي نواة الأسرة؛ فالمرأة العاملة هي المرأة المعتبرة. أمَّا المرأة العاملة داخل البيت ـ ربة الأسرة ـ فيُنظر إليها باعتبارها متخلفة وخارج السياق الدولي الجديد؛ لأنها لا تمارس عملاً بمقابل، ولأنها ربطت نفسها بالزوج والأولاد والأسرة، ولذا فعبارة:"الأمومة"لم ترد سوى ست مرات؛ بينما كلمة"جندر"والتي تعني نوع جاءت ستين مرة، وجاءت كلمة"جنس"في مواضع كثيرة جداً.

وأما كلمة"الزَّوج"لم تذكر ولا مرة، لأن الوثيقة لا تعترف بالزواج وتعتبره جناية على المرأة، وتسمي العملية الجنسية بين الزوجين بِ (الاغتصاب الزوجي) .

وذُكر بدلاً من"الزوج"كلمة أوسع وأعم Pa r tne r ، أي الزَّميل أو الشَّريك؛ فالعلاقة الجنسية علاقة بين طرفين تدين لكل منهما استقلاليته الجنسية، والحقوق الإنجابية حقوق ممنوحة للأفراد والمتزوجين على السواء .

ولم ترد كلمة"الوالدين"إلا مصحوبة بعبارة"أو كل من تقع عليه"مسؤولية الأطفال مسؤولية قانونية"في إشارة إلى مختلف أنواع الأسر المثلية ( ذكر وذكر أو أنثى وأنثى أو حتى الشواذ) ؛ لأن الوثيقة تعترف بهذه الأسر المثلية وتدعو إليها."

والمثير أن تستخدم الوثيقة كلمة (المساواة) للتعبير عن إزالة الاختلافات بين الرجل والمرأة حتى ولو كانت اختلافات بيولوجية، وتستخدم (التنمية) للتعبير عن الحرية الجنسية والانفلات الأخلاقي، وتستخدم كلمة (السلم) لمطالبة الحكومات بخفض نفقاتها العسكرية، وتحويل الإنفاق إلى خطط التخريب والتدمير للأيديولوجية النسوية الجديدة؛ إذ تلزم مقررات بكين الحكومات المحلية بتنفيذ الأهداف الاستراتيجية للنظام العالمي الجديد فيما يتصل بإقرار الأيديولوجية النسوية الجديدة، وذلك بمساعدة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي .

هذه هي المفردات الجديدة والمقررات التي يسعى النظام العالمي الجديد لفرضها أيديولوجية كونية على العالم. وبالطبع فإنه يستهدف من وراء ذلك ضرب مواطن القوة في الحضارات المختلفة معه .

كيف تعامل العالم مع الوثيقة ؟

وإن من يتأمل في تلك المقررات بعين العقل والبصيرة فإنه لا يكاد يصدق أنه يوجد ثلاثة أشخاص من البشر قد يتفقون عليها ويقرونها لشناعتها وخطرها، بل لو حُدثنا عن أنها في أمة سابقة لاعتبرناها أمراً عجباً، والمرء يعجب أعظم العجب

عندما يتيقن أن تلك المقررات والدعوات تتداعى دول عدة لإقرارها ... دولٌ نالت حظاً كبيراً من فهم السنن الكونية في هذه الحياة ... وهاهم يشاهدون أعظم العبر وأبلغ النذر في خطئهم، و خطر دعواتهم الإباحية بما رأوه من الأرقام المتصاعدة لصرعى الأمراض الجنسية التي أُعيوا أن يجدوا لها طباً أو شفاءً ...

فكيف تعمى بصائرهم عن وهاد السفاح و مزالق مخالفة الفطرة ؟!

ولكن ذلك العجب يتلاشى حين نتأمل قول أصدق القائلين وأحكم الحاكمين والخبير بما في صدور العالمين؛ إذ قال سبحانه: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً) [سورة الفرقان:44] وإنه لعارٌ على الإنسانية إلى قيام الساعة أن يكون فيهم من تُبجل إنجازاتهم وتُعدد مخترعاتهم مما فتح الله به عليهم ثم ينتكسون تلك الانتكاسة الكبرى في هدم الأخلاق وإلغاء الكرامة الإنسانية وإهدار معالمها .

والطامة الكبرى أن وثيقة بكين التي أصبحت"مقررات بكين"وقّعت عليها (183) دولة لتصبح أساس المرجعية الكونية البديلة، والتوصيات والوثائق التي توقع عليها الدول والحكومات الأعضاء في الأمم المتحدة تعتبر ملزمة لها، كما أن الأمم

المتحدة تقوم بكل هيئاتها ومؤسساتها بتنفيذ ما جاء في توصيات هذه المؤتمرات الدولية ووثائقها، بما في ذلك المراقبة والمتابعة لمدى التزام الدول والحكومات بها، كما أن المنظمات غير الحكومية الممثلة في الأمم المتحدة تمثل قوة ضغط في

دولها لمراقبة التزام هذه الدول بقرارات الأمم المتحدة وتوصياتها ومتابعة ذلك، وهي في هذا تشبه"جواسيس للأمم المتحدة"في دولها .

ولا تكتفي الأمم المتحدة بذلك وإنما تعقد مؤتمرات مع الأطراف الحكومية والمنظمات غير الحكومية كل سنة أو سنتين باسم مؤتمر السكان أو التنمية أو غيرها من الشعارات البرّاقة، وذلك للتأكد من الالتزام الحكومي بالمرجعية الكونية البديلة والخضوع للنظام العالمي الجديد، وهكذا حتى يأتي موعد المؤتمر الدولي القادم للمرأة في آذار (مارس) من عامنا الجديد 2005م، أي بعد عشر سنوات من مؤتمر بكين، أي أن هناك آلية دولية لها طابع الفرض والإلزام والمتابعة تتدخل في الشؤون الداخلية للدول لتطلب منها الالتزام بما وقّعت عليه، وهذه الآلية يمكن أن تمارس الإرهاب بفرض العقوبات الدولية على الدول التي ترى الأمم المتحدة أنها غير ملتزمة، كما أن هذه الآلية تمارس الإغراء بمنح معونات أو قروض أو ما شابه، إذا التزمت بمقررات الشرعية الجديدة .

وفي الدول العربية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت