فهرس الكتاب

الصفحة 19751 من 27364

وفي الأحوال الشخصية للمرأة في سوريا فقد تم إصلاح عدة قوانين مدنية في الثلاثين سنة الماضية بهدف تحقيق المساواة بين الذكور والإناث، ولكن العديد من هذه الإصلاحات لم تُطبّق؛ لأن التقاليد الاجتماعية تمنع تطبيق القوانين التشريعية أو الوضعية، وفي أعقاب مؤتمر بكين شكلت الحكومة"اللجنة الوطنية لمتابعة شؤون المرأة ما بعد بكين"، وتتولى هذه اللجنة إعداد تقارير للأمم المتحدة حول تقدم سوريا نحو المساواة بين الجنسين، وترفع التوصيات إلى الحكومة السورية حول هذه المسألة .

ومن ثَمَّ فإن ما يجري في مصر أو المغرب أو الأردن بشأن تغيير قوانين الأحوال الشخصية أو العقوبات هو جزء من الالتزام بالأجندة الدولية التي وافقت هذه الدول عليها في المؤتمرات الدولية، وليس تعبيراً عن حاجة داخلية لشعوب هذه الدول؛ فحق المرأة في فسخ عقد الزواج، وحقها في السفر هي وأولادها بلا قيود، وحقها في المواطنة الذي يستخدم ستاراً لمساواتها مع الرجل في الإرث والطلاق وعدم الخضوع لسلطة ـ أي رفض القِوامة ـ وإقامة علاقات ود وصداقة خارج نطاق البيت والعائلة، كل هذه القضايا كانت مطروحة باعتبارها جزءاً من أجندة دولية للتسليم بالدخول في طاعة النظام العالمي الجديد، والإقرار بالالتزام بالأيديولوجية النسوية البديلة.

الإسلام عائق في تنفيذ الوثيقة:

كما أن خطر هذه الأيديولوجية البديلة يتمثل أيضاً في اقتحام مناطق كان يُنظر إليها باعتبارها خاصة أو شخصية، ويُنظّم أوضاعها بشكل أساسٍ الدين والتقاليد والأعراف المحلية والثقافات الخاصة، أي أن الاقتحام والهدم لهذه الأيديولوجية ينال مناطق متصلة بالهوية والثقافة والوجود، وهي محور الكيان الإنساني والوجود البشري، ويقف وراء هذه الأيديولوجية فكر شيطاني يريد أن يجعل من الأخلاق فوضى ومن الفاحشة شيوعاً وذيوعاً .

وبالنسبة للحضارة الإسلامية فلا يزال الدين الإسلامي يمثل مرجعية للناس ونظاماً لحياتهم خاصة في مسائل الأسرة والأحوال الشخصية وفي مسائل الفكر والثقافة والاعتقاد، وهو ما يزعج الأمم المتحدة والغرب؛ إذ إن المسلمين يمثلون ملياراً ونصف مليار نسمة تقريباً، والعالم الإسلامي بإمكاناته وثرواته وأهله يهدد النظام العالمي الجديد بفقدان سيطرته عليه ما بقي الإسلام حاكماً للجوانب الاجتماعية والثقافية وللهويّة؛ ولذا لا بد من تسديد الضرب إلى الصميم للقضاء على الهوية الإسلامية، وعلى النظم الاجتماعية التي أثبتت أنها القلعة التي حمت العالم الإسلامي من السقوط والانهيار، وهكذا فإن الصراع مع الغرب انتقل من السياسي والاقتصادي إلى الديني والثقافي والاجتماعي المتصل بالهوية والوجود؛ وهو ما يتطلب وعياً جديداً وأدوات جديدة؛ كما يتطلب يقظة ومقاومة في صميم الأيديولوجية وتستمد الأيديولوجية الجديدة جذورها الفكرية من الماركسية الحديثة حيث تعتبر أن خطأ الماركسية القديمة هو اللجوء إلى الأساليب الاقتصادية لبناء مجتمع"لا طبقي"؛ بينما ترى الأيديولوجية الحديثة أن اللجوء إلى الأساليب الاجتماعية هو السبيل الوحيد لمجتمع خالٍ من الطبقات والميول الطبقية، وتمثل"الأسرة"والأمومة في نظر"الماركسية الحديثة"تمثل السبب وراء نظام طبقي جنسي يقهر المرأة لا يرجع إلا لدورها في الحمل والأمومة .

وتمثل توصيات المؤتمرات الدولية والمعاهدات والاتفاقيات العالمية المرجعية العالمية الجديدة التي يمكن وصفها بأنها"أيديولوجية نسوية"لها قوة الأيديولوجيات السياسية التي عرفها القرن الماضي ثم انهارت وخبت وماتت .

وكما كان يحدث بالنسبة للأيديولوجيات السياسية والفكرية فإن الأيديولوجية النسوية الجديدة يُراد لها أن يكون معتنقوها في كل العالم وفي كل الدول والشعوب وفي كل الأعمال؛ فإنها الوسيلة الجديدة لغزو العالم وشعوبه، وهي الدين الجديد الذي يُراد للعالم أن يتوحّد خلفه ويدين به، ويريد أن يفرض هذا الدين والأيديولوجية بالقوة على العالم كله بحيث تكون هناك قوة عالمية واحدة ومرجعية كونية واحدة وإنسان عالمي واحد، وتنهار كل الحدود والقيود والحصون أمام هذه القوة العالمية الجديدة والمنفردة بحيث تصبح إرادتها ورغباتها ومصالحها مُسلَّماً بها ومُرحَّباً بقدومها بلا أي عوائق من الدين أو اللغة أو اللون أو الجنس أو القومية أو الثقافة. أي أن المرجعية الكونية الجديدة هي بديل لكل ما عرفته الأمم والأجناس البشرية من ثقافات وتاريخ وصراعات وأفكار؛ بحيث يغدو كل هذا ذكرى بلا قيمة ولا معنى، وتصبح القيمة والمعنى في المرجعية الكونية البديلة والجديدة التي يتحوَّل فيها البشر جميعاً عبيداً للإله الذي قررها، وهو النظام العالمي الجديد.

الشرائع السماوية ترفض الانحلال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت